"نبض الحلم المكسور"
الفصل الأول: انعطاف القدر
في حيٍّ هادئٍ من أحياء العاصمة، حيث تلتقي المباني القديمة بلمسات الحداثة، كانت عائشة تستعدّ لليلةٍ فارقةٍ في حياتها. عملت طوال العام على مشروعها الفني الكبير، فيلم روائي طويل حملت بداخله أحلامها وآمالها. واليوم، حين وصلتها دعوةُ العرض الأوّل في مهرجان السينما العربية، لم تصدق أن أحلام الطفولة بدأت تتحقق.
التقت عائشة بصديقتها المقربة «ليلى» في المقهى الصغير مقابل دار السينما. ارتعش قلبها حين رأت الحفل مُزخرفًا بالأضواء والزهور الحمراء. كانت ليلى ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، لكن ملامحها بدت شاخصةً، وكأن ثقل أمرٍ ما يثقل قلبها.
سألتها عائشة بابتسامةٍ مرتعشةٍ: "ألا أنتِ سعيدةً بوجودي هنا؟"
أجابتها ليلى بنبرةٍ متثاقلةٍ: "أنا سعيدةٌ من أجلكِ، لكن هناك أمرٌ يجب أن أخبركِ به قبل العرض..."
لفّتت عائشة إليها بنظرةٍ مستنكرةٍ، وشعرت بنبض يدها يرتجف. كان الثلج يتساقط خارج المقهى، والريح تحمل معها همساتِ المدينة.
الفصل الثاني: الاعتراف المفاجئ
في زاويةٍ معتمةٍ من المقهى، نظرت ليلى إلى عائشة بعيونٍ دامعةٍ وقالت:
"عليّ أن أخبركِ أن والديّ في سفرك الأخير تواصلا معي وناقشا زواجكِ المستقبلي. لقد وافقا على خطوبتكِ من الفنان يوسف... أخبرتكِ بذلك قبل أن يقرروا دون علمكِ."
توقف قلب عائشة لثوانٍ، فقد قرأت في عيني ليلى حقيقةٍ أخرى: رغبة صديقتها في شيءٍ أكبر. حاولت أن تتمالك دمعتها وتقول: "ليلى... أنتِ تعرفين أنني لا أحب يوسف رغم نجاحه وشهرته..."
هزت ليلى رأسها ببطءٍ:
"أنا أعرف ذلك، لكنَّ الأسرة... والأمل بأن يفتح زواجا مبكرًا مستقبلاً أفضل... ولا تنسي أن مشروعكِ القادم يحتاج إلى رأس مالٍ كبيرٍ."
اختلّت توازع عائشة، فهزّت كوب القهوة في يدها بقوةٍ حتى تناثرت بعض القطراتِ على المائدة.
"هل تريدين منّي أن أغض الطرف عن قلبي؟" صرخت بصوتٍ منخفضٍ، وصدى الكلمات ارتدَّ من جدران المقهى.
ترددت ليلى ثم همست:
"ليس هذا ما أريده... لكن عليكِ التفكير في العائلة والمستقبل... أخاف عليكِ من الخسارة."
انسابت دمعةٌ من عين عائشة، لامست خدها وانزلقت صوب طاولتها.
الفصل الثالث: شبح الماضي
بعد العرض، تسلّلت عائشة إلى غرفتها في الفندق، وفتحت حقيبتها الصغيرَة، وأخرجت صورةً رُفعت عنها ستار الذكريات: والدها الراحل، الذي كان مديرًا لقسم السينما في التلفزيون قبل عشر سنواتٍ، توفي في حادث سيارة مريب. كانت العائلة تتهم سائقًا آخر كان في حالة سُكر.
في الصورة، ظهر والدها وهو يبتسم بحنانٍ، وكتب خلفها بخطه: "لكِ يا عائشة، يا من ستجعلين العالم يرى الحقيقة بمنظورٍ مختلف."
جنّت الأفكار في رأسها كمعركةٍ ضروسٍ. أمسكّت الصورة عند قلبها ثم أمطرت الفندق بالبكاء حتى استيقظ الخادم ليطرق الباب.
فتح لها الخادم وقال بخفض الصوت: "سيدتي، لستُ مضطرًا لطمأنتكِ؟"
تنهدت عائشة ثم قالت: "لا... دعني وحيدة..."
بينما عاد الخادم أدراجه، شعرت عائشة بأن هناك من يراقبها. فتحت الستارة وألقت نظرةٍ نحو الشارع المظلم، فلم تَرَ أحدًا.
الفصل الرابع: قدرٌ متشابك
بعد العودة إلى الوطن، استقبلتها والدتها عائشة في الفيلا العائلية. كانت والدتها سيدةً صارمةً، تحمل في ملامحها إرهاق السنين. احتضنتها بحرارةٍ، ثم نظرت إليها بنظرةٍ تشوبها الحيرة:
"كيف كان العرض؟"
ابتسمت عائشة قليلاً وقالت: "كان رائعًا... لكن هناك أمورٌ يجب أن نفكر فيها بهدوء."
جاء يوسف زائرًا مفاجئًا، وظهر في المدخل بابتسامته الواسعة. تحدث لعائشة عن دعمِه الكاملِ لمشروعها الجديد، وكانت تراه رجلاً محترمًا وناجحًا، لكن قلبها لم ينبض له.
في لقائهما معًا في الحديقة الخلفية، قال لها في صوتٍ رقيقٍ:
"أعلم أنكِ صامدةٌ أمام ضغوط العائلة، لكنني أحبكِ وسأحارب لأجلكِ."
رمقتْه بنظرةٍ حائرةٍ ثم همست: "يوسف... لا أريد خسارتك، لكنني لا أستطيع أن أكذب على نفسي."
الفصل الخامس: تلاطم المشاعر
في تلك الليلة، ازدهرت العاصفة في السماء، وهبت الرياح على أشجار البندق في الحديقة. دخل يوسف الغرفة فجأةً بعدما حاول استجماع شجاعته.
"عائشة..." قال وهو يلتقط أنفاسه: "لا أستطيع الاستمرار في علاقةٍ نصفها موضع شكٍ وخوفٍ. أريدكِ كاملةً أو لا."
خنق السرّ بداخل قلبها، وارتعش صوتها: "أخاف أن أجرحك... ولكني سأخسرك لو أكملت الكذب على نفسي."
انكمشت في زاوية الغرفة وأغلقت عينيها، صار صوت المطر سجانها الوحيد. كانت تبحث عن القوة في داخله
الفصل السادس: مواجهة الذات
قررت عائشة الانعزال في شقةٍ صغيرةٍ في حيٍّ بعيدٍ، بعيدًا عن ضغوط الأسرة والصداقة والحب. أمضت الأيام تمشي بين الذكريات ومحاولة الكتابة في دفترٍ جديدٍ، لوحة أمامية مغطاة بالفخار.
كتبت:
"أنا عابدة للفن... أحببت والدي قبل أن أستطيع أن أتخذ قرارًا..." أغلقت الدفتر وصفعت بجدار الغرفة حين شعرت بالحنين.
في أحد الصباحات، طرق الباب. فتحت لتجد قارورةً تحتوي دخانًا بنفسجيًا، ومرفقةً بورقةٍ تقول: "للقلب القوي، جرعةُ صدقٍ..."
الفصل السابع: جرعة الحقيقة
سكبت الجرعة في كوبٍ من الماء، وشربت بترددٍ. فور ملامسة السائل لحنكها، انفجرت في رأسها مشاهد: طفولتها مع والدها، أول كواليس الفيلم، دموع والدتها حين سافر والدها مفارقًا.
ارتجف جسدها، وسقطت على الأرض. بعد دقائقٍ، فتحت عينيها وهي تبتسم بملامح واضحةٍ وخاليةٍ من الأوهام.
الفصل الثامن: القرار النهائي
عادت إلى فيلا الأسرة في اليوم التالي. استدعت الأسرة والعائلة والأصدقاء في الحديقة الأمامية. وقف الجميع حول عائشة بينما أطبقت السماء بغيوم داكنة.
قالت لهم بصوتٍ واضحٍ:
"لقد عشت بين ضغوط العائلة وأفكار الآخرين عن مستقبلي، لكنني اليوم أختار نفسي. سأواصل العمل على شغفي وأرفض الارتباط إلا بمن يفهم قلبي وروحي."
صمت الحضور لبرهة، ثم تراجعت الأم خطوةً وقالت بارتعاشٍ:
"أرى في عينيكِ نفسَ القوة التي رأيتها في عيني والدكِ... فلتسرحي في دربكِ."
نهض يوسف من بين الحضور، وأمسك بيدها: "أنا هنا لأدعمكِ مهما كان الطريق صعبًا."
الفصل التاسع: بداية جديدة
فتحت عائشة استوديو صغيرًا للفن والسينما، وسماها "نبض الحلم". ملأته بلوحاتٍ ومقاطعٍ من فيلمها، ودعت الجمهور لحضور الافتتاح.
في اليوم الموعود، امتلأ الصالون بالفنانين والطلبة. قدمت كلمةً مؤثرةً تحدثت فيها عن رحلتها:
"الأحلام لا تُصنع بين ليلةٍ وضحاها، بل تُنحت بالإرادة والإيمان."
صفق الحضور بحرارةٍ، وشعرت عائشة أن الحياة تبتسم لها من جديد.
الفصل العاشر: الواحة الأخيرة
بعد افتتاح الاستوديو، جلست عائشة في غرفتها الصغيرة، تنظر إلى الصور على الحائط. كانت هناك صورة والدها، وصورة والدتها، وصورتها مع يوسف.
همست لنفسها:
"هذه البداية... والرحلة لم تنتهِ بعد."
في ذلك المساء، أرسل لها يوسف رسالة صوتيةً:
"أنا فخورٌ بكِ. استمري في التألّق يا نجمة السماء."
التفتت عائشة إلى النافذة، حيث أضاء القمر بنوره الهادئ، وشعرت بأن نجمًا جديدًا قد أشرقت في حياتها.
النهاية