"صدى القلوب الظامئة"
الفصل الأول: وداعٌ بلا كلمات
وقف عمر أمام باب المستشفى، وتوقف نبض قلبه مع كل دقيقة تمر ببطء متعمد. ارتجفت يده وهو يضغط جرس الزيارة، وخطرت بباله آلاف الأسئلة التي لم يجد لها إجابة. قبل أيام قليلة، كان يضحك بجانبها في الحديقة، قبل أن تخلّف صرخات الممرضة نهاية ذلك الصباح المريب. في الداخل، رأى وجهها الهادئ وقد اختفت فيه بريق الحياة، كزهرة ذابلة في موسم الشتاء. راقب أنفاسها المتقطعة وصورتها التي وسعها الألم، في هدوء المستشفى الخالد. حاول أن يهمس باسمها، لكن صوته خانته مشاعر الألم. جلس بجانبها، أمسك بيدها الباردة، وشعر بأن قلبه يئن تحت وطأة الوحدة. لم يخرق صمت الغرفة سوى أنين آلة التنفس الاصطناعي. عاد بذاكرته إلى اللحظات الأخيرة التي منحت ابتسامة واثقة، قبل أن يغفو جسدها المنتظر.
الفصل الثاني: خلوُّ الغرفة
عندما عاد عمر إلى شقته، وجدها فارغةً من رائحتها الدافئة التي كانت تعبق في الزوايا. اختفت دفء الأريكة الصوفية التي كانت تحتضنه برفق، وبدت صورة عائلتها على الحائط كأنها تراقبه بصمت حزين. فتح خزانته باحثًا عن قميصها المفضل ليتشبع منه برائحتها، لكنه وجد المساحة خالية من أي أثر. استلقى على الأرض، وتمثل يده الهاتف بحثًا عن رسائلها الأخيرة، آملاً في كلمة تطمئن قلبه، ولكنه وجد الرسالة الأخيرة كتبت: "اشتقت لك... سأعود قريبًا". أغلق الهاتف بقوة، وتصاعد منه صوت نبضات قلبه الغاضب. خرج من الشقة بلا وجهة، يكسر النظام المعتاد للشوارع الصامتة ليجد جدران العالم تتحرك في وجهه. تجوّل محترقًا بذكرى ضحكتها التي كانت كالمطر يغسل أيامه الرمادية، واختبأ في مقهى معتم، طلب فنجان قهوة باردًا لكنه لم يستطع تذوقه، وجلس وحيدًا وسط جموعٍ لا يشعر معها إلا بوحدةٍ مطلقة.
الفصل الثالث: سرُّ الوردة الجافة
في صباح اليوم التالي، وجدها: وردة جافة على طاولة المطبخ، بقايا عيد ميلادهما الذي تحول إلى عزاء مبكر. التقطها ببطء، فحدثه صمتها بلغة أشد وقعًا من أي صراخ. لم تعد الوردة تذكره بجمالها، بل بالخسارة التي غرسها الفراق. تساءل في مرارة: لماذا نحتفظ بالذكريات المؤلمة؟ أمسك الوردة بين أصابعه، وانهالت دموعه ببطء، فتساقطت البتلات الواحدة تلو الأخرى. تحدث إليها بصوت متهدج: "لماذا رحلّت قبل أن أعانقك؟"، ثم رمى الوردة على الأرض، وتركها تعانق الفارق ببطء، حاملاً عبء السؤال: كيف يُكمل عمر حياته بلا من يمنحه الأمل؟
الفصل الرابع: رسالة لم ترسل
أثناء فرزه لأوراقه القديمة، وقع بصره على صورة لهما معًا على الشاطئ في إحدى الليالي الهادئة. قرر أن يكتب لها رسالة أخيرة يفرغ فيها أوجاع قلبه. جلس أمام مكتبه، وقلبه يئن قبل أن يبدأ بالحروف، فكتب: "حبيبتي، لقد تركتني أهرب من سجن الوحدة، فكيف أعود من دونك؟" ثم تابع باهتزاز: "كل صباح أفتقد ضحكتك، وكل مساء أخشى أن أنام وحيدًا بلا أمانك." وأضاف: "أريدك أن تعودي لي، حتى لو كنت في عالم آخر، سأجدك هناك.". راجع الورقة المبللة بدموعه فلم يستطع إرسالها، فطواها بحزن ووضعها في الدرج، ليبقى صداها حيًا في الظلام.
الفصل الخامس: وجع الصقيع
جاء الشتاء مبكرًا، ولفّت المدينة برد قارس. شعر عمر بأن الصقيع يتغلغل في عظامه، كما تسلل رحيلها إلى أعماق كيانه. مشى تحت زخات الثلج، وكل نقطة تبحث عن فروة رأسه لتخترق قلبه. توقف أمام باب جاره القديم وتذكر لحظات الرضا التي عاشها هناك، ثم واصل الليل وحيدًا. وقف في الظلام، يستنشق هواءً جليديًا يجمد أنفاسه. حاول الاتصال بها، لكنه تذكّر أنها لم تعد ترد. جلس على الرصيف، وتذكر وعدًا عن دفء الصيف القادم، قبل أن تحلّ دمعة بطيئة على خده. ارتجف من البرد والذكرى، وأقسم في أعماقه على أن قلبه سيظل متجمدًا إلى الأبد.
الفصل السادس: صدى الذكريات
في إحدى الليالي، انقطع التيار الكهربائي فجأة في الحي. خرج عمر باحثًا عن شمعة ليضيء بها غرفته، وأثناء إشعال اللهب هبَّت ريحٌ عبر النافذة المكسورة، فرفرفت الستائر. لمح ظلها في انعكاس المرآة، بابتسامتها التي عرفها جيدًا. ارتعش فتلثم الشمعة بيده المرتجفة وانطفأت بين أصابعه. خيّل أنه سمع همسة رقيقة تقول: "أنا هنا...". أبقى قلبه جامدًا، لكن صدى الهمس تردد بداخله وكأنه يشتعل ألمًا جديدًا. عاد التيار ليرفض كشْف الحقيقة، فوجد رسالة صغيرةً على الطاولة كتبت: "لا تنساني". رسم عمر ابتسامةً مؤلمة على وجهه، وهمس في سكون الغرفة: "كيف أنساك وقد سكنتِ أعماق روحي؟".
الفصل السابع: لقائي الأخير
تلقى دعوة لحضور مؤتمر عن الصدمات النفسية، فاكتوى أمله في العثور على تذكرة للخروج من عزلته. جلس في القاعة يستمع للمتحدث وهو يحاضر عن الشفاء، ثم لمح وجهًا مألوفًا في الزحام؛ ابتسامتها القديمة تتجول بلا توجه. تعلثم جسده في مقعده وحاول اتباعها بعينيه حتى اختفت في ممر القاعة. خرج خلفها دون أن يجد الشجاعة ليلقي عليها كلمة تليق بها، فاكتفى بالنظر إليها من بعيد. عاد إلى مقعده وثقله اليأس؛ كانت تلك اللحظة وداعًا سرمديًا، وداعًا لم يستبن معناه بعد.
الفصل الثامن: نورٌ خافت
في صباح اليوم التالي، وجد صندوقًا صغيرًا على عتبة الباب. فتحه ببطء ليجد دفترًا ورسالة بخطها الرقيق. كتبت: "عزيزي عمر، أعلم أن فراغك لا يُملأ، ولكن الحياة تستحق أن تُعاش رغم الألم. رحلة الشفاء طويلة، لكنني سأظل هنا في قلبك. نسيان من نحب لم يعني رحيلهم. أحبك، وأرجو أن تجد الدفء من جديد." تحركت دموعه بنشوةٍ مختلطةٍ بالأمل. أمسكت بالدفتر وتنهّدت؛ لأول مرة منذ زمن، أحسّ أن نورًا خافتًا يلوح في نهاية النفق.