رواية شهر العسل -(الفصل الثاني)

شهــــر _العسـل



شهر العسل .. (11)

كان كمال في غاية السعادة ولم يتمكن من التعبير عن فرحته لأنه أصبح أبًا. لقد تزوج من أروى منذ حوالي سنة وشهرين، أي ما يقارب السنتين. كانت معاملته لها دائمًا لطيفة، وحملها جعل اهتمامه بها يزداد. جميع طلباتها كانت تُلبى، وكانت دائمًا تشتكي لي بأنها تشعر بالغيرة منها وتخشى أن أتسبب في إجهاضها. كان يحذرني بشكل متكرر أن أكون بعيدة عنها، وكان دائمًا يبكي بشكل غير طبيعي.

مرت فترة من المعاناة معها، حيث كانت حياتي مليئة بالتوتر بفضلها. وفي يومٍ ما، قالت لي إنها لا تريدني أن أكون في المنزل، وبعد أيام قليلة أجر لي شقة صغيرة. حين انتقلت إليها، شعرت بالوحدة والعزلة، فتذكرت أيام الجامعة، حيث كانت الناس تبني صداقات جديدة، إلا أنا، كنت أسير بمفردي ولا أستطيع تكوين صداقات حقيقية، حتى الأشخاص الذين كانوا يرافقونني كان هدفهم المصلحة، وبعد أن تتحقق مصلحتهم يختفون.

دخلت في حالة من الاكتئاب، وكنت أغلب الوقت نائمة. وكان كمال يجلب الطعام لكنه لم يبقى أكثر من دقيقتين قبل أن يغادر. كنت أعلم أنه سيطلقني قريبًا. في يومٍ وأنا نائمة، سمعت صوت الهاتف. أجبت، فكانت ابنة خالتي "علا"، التي تعيش في الإمارات. كانت تسألني عن السبب الذي جعلني لا أزورها، وكانت غاضبة مني لأننا كنا قريبين جدًا في الماضي. قالت إنها تدعوني أنا وزوجي إلى عشاء، وبالرغم من اعتذاري بسبب انشغال كمال، بعد محاولات كثيرة، وافقت على الذهاب.

عندما وصلت إلى منزلها، تفاجأت بالتغير الكبير في شكلها، من مظهر بسيط إلى مظهر أنيق جدًا. استفسرت عن السبب الذي جعلني أبدو حزينة، وأوصتني بالاهتمام بنفسي والبحث عن وظيفة. بعد فترة، اكتشفت أن علا وزوجها كانا يمران بفترة صعبة، لكنها كانت لا تزال تحرص على أن نكون على تواصل.

عدت إلى المنزل وأنا منهكة وحزينة، وأدركت أنني فقدت الأمل. عندما دخلت البيت، وجدته في قلق، فسألني عن مكاني. أجبت بأنني كنت في منزل ابنة خالتي، فجلس أمامي وراح يسألني عن صحتي، مؤكداً أنه لاحظ أنني كنت متعبة.

ثم، في لحظة من المرح، أخبرني أنه يرغب في تناول الغداء معي، كما أنه كان يخطط لأن يجلب لي بعض الطعام، ولكنه سرعان ما بدأ المزاح، ما جعلني أستفز وأغادر للغرفة. بعد ذلك، كان يواصل محاولة فتح مواضيع للنقاش، لكنني كنت أرفض التعامل معه في تلك اللحظة.

وبعد أيام قليلة، عندما كنت في غرفتي، جاء وقال لي إنه يريد قضاء الوقت معي. فقلت له إنني شعرت بالنعاس، وكنت قد تعودت على النوم في تلك الأوقات. لم أكن أريد أن أسمح له بتمرير الوقت معي فقط ليشعر بالملل.

وفي النهاية، وصلنا إلى مرحلة من اللامبالاة، كنت قد وصلت إلى قناعة بأنني لن أتمكن من الاستمرار في هذه العلاقة. ولكن في نفس الوقت، بدأت استعيد ثقتي بنفسي بعد أن بدأنا ممارسة الزومبا، وتبنيت نظامًا غذائيًا صحيًا، وبدأت في العمل. كنت أتحسن تدريجياً وأصبح لي حياة مستقلة.

أما كمال، فكان يظل يزورني بين الحين والآخر، ولكننا كنا بعيدين عن بعضنا البعض. ومن ثم، انتهت فترة الشهر، وكان من المفترض أن ننفصل وأعود إلى السودان.


شهر العسل .. (12)

كنت في انتظار قدوم كمال، وجاء بالفعل. قلت له: "لقد مرت الثلاثة أشهر، وأنت نسيت الطلاق أم ماذا؟" فقال لي: "أراكِ مستعجلة أكثر مني. لم أنسَ، لكن لا أستطيع أن أرجعك بمفردك، يجب أن أنزل معك. حالياً لا أستطيع النزول معك بسبب العمل، فقد أخذت إجازة قريباً، وهم لا يرضون أن ننتظر شهرًا أو شهرين، وبعدها نطلق." وبعد حديثه، لم أهتم كثيرًا وقلت في نفسي إنها فرصة جيدة للتركيز على نفسي. واصلت عملي وتواصلي مع بت خالتي، وكل يوم كنت أذهب إلى الزومبا. أصبحت حالتي النفسية أفضل، وكمال كعادته لم يعد يهتم بي.

كنت في تحسن ملحوظ، ونجحت تجربة إقامتي في الإمارات. في خلال شهر ونصف، وصل وزني إلى 50 كيلو، وكان ذلك يفرحني للغاية. أصبحت متحمسة جدًا وكأنني لا أصدق نفسي، وبدأت أخرج للتسوق مع علا، حيث اشتريت شنطًا وساعات وأحذية نسائية من ماركات عالمية، وكذلك فساتين. تغير شكلي بشكل ملحوظ، وكان جسمي يبدو أكثر لفتًا للنظر، لكنني كنت ما زلت ألتزم بالحشمة في ارتداء العباءة والطرحة. وكل أسبوع كنت أذهب إلى الكوافير لتصفيف شعري وعمل أظافري. وحتى ملامحي أصبحت أكثر وضوحًا وجمالًا.

أصبحت أخرج وأستمتع بالحياة أكثر. في أحد الأيام، كنت أرتدي ملابس رياضية، شعري مربوط إلى الوراء وبعض الخصلات مرخاة، وجلست على الكنبة أفتح التلفاز وأتحدث مع علا. فجأة دخل كمال ووجدني أضحك، فقال لي: "يا حبيبتي، لا هكذا، أنا فقط أغار عليك." ثم فجأة أخذ مني الهاتف وقال: "من تتحدثين معه؟" واكتشف أنني كنت أتحدث مع علا، فحيّتها وتبادل معها بعض المزاح. وقفت على الفور وأعدت يدي، وعينتني بنظرات حادة وقلت له: "لماذا أخذت الهاتف مني؟" أجاب قائلاً: "ظننت أنك تتحدثين مع حبيبك." وعينيه كانت تفحصني من رأس إلى قدم. فقلت له: "تعال إليّ، هل تحمرّ وجنتاك؟" فقال: "لن أعود إلى الوراء، اقترابك مني غير قابل للتراجع." ثم اقترب مني، فابتعدت خطوة، لكني وجدت نفسي جالسة على الكنبة بجانبه، فقال لي: "نيتي صافية، يبدو أنكِ تريدينني أن أقرب منك، وأنا ليس لدي مشكلة في ذلك." وكان يعبر عن نفسه بوضوح. وعندما ابتسمت، فاجأني بأن ضربني بكف على وجهي. ثم ضحك في وجهي وأسرع ليقبلني مرة أخرى. قال لي: "كلما أزعجتِني، سأقبلك."

شعرت بالغضب، فقلت: "أفضل أن أنسحب بهدوء." عندما أردت القيام، فاجأني بحضني من وراء وقال لي: "لقد تغير وجهك وملامحك، أصبحت أكثر جمالًا، وحتى جسمك أصبح أفضل." كلماته كانت تطمئنني، فأبعدت يده، وقلت له: "أول مرة أعرف أنك شخص شهواني وتافه. هل أنتم جميع الرجال لا تبحثون إلا في جسم المرأة؟" قال لي: "أنا شهواني وتافه، نعم، ولكن هل وصلتِ لهذا التحليل الآن؟ فهمتِ. أنتِ حاليًا قد غيرتِ من نفسك، وقد قررتِ الطلاق والزواج من شخص آخر. لكن دعيني أخبرك شيئًا، رغد." ثم أضاف: "أنتِ ستظلين عالقة، لا متزوجة ولا مطلقة."


شهر العسل .. (13)

أود أن أوصل إليك معلومة، يا رغد، أنك ستبقين في هذه الحال، لا متزوجة ولا مطلقة، مجرد عالقة. قلت لنفسي: لماذا تعتقد أنني بلا أهل؟ هل تعتقد أنني ضعيفة؟ إذا فتحت فمي، لن تكون أمامك إلا المحاكم، وسأكون قادرًا على كشف كل شيء، والله قادر على الظالم والمفترى.

خرج وهو غاضب، وجهه مكفهر. على الرغم من القوة التي حاولت إظهارها، ومظاهر اللامبالاة التي بدت لي، كنت في داخلي أتمزق. بكيت بحرقة، فقد مر وقت طويل وأنا أحتمل، ولكن في النهاية، أخذت مسكنًا وأخذت قرارًا بالتناسي. ذهبت للنوم وأنا في هذه الحالة، كنت بحاجة إلى شخص أتحدث إليه وأشاركه همي. ربما كان ذلك خطأي الوحيد؛ دخلت على الفيسبوك، وانضممت إلى مجموعة استشارات نسائية، وكتبت كلمة واحدة فقط: "موجوعة"، مع رمز تعبيري يعبر عن الألم. فوجئت بتفاعل كبير، وكانت التعليقات كثيرة. من بين التعليقات، وجدت تعليقًا يقول: "لا تزعلين، الدنيا لا تستحق زعلك. افردي جناحيك، عيشي حياتك، وارمي الزعل وراءك. لا تركزي على أحد، الحياة قصيرة. لو رحل شخص من حياتك، لا تحزني، أهم شيء أن تكوني بخير. في النهاية، لا شيء يبقى معك سوى صلاتك وقرآنك وقربك من الله."

قرأت التعليق، ثم خرجت من المجموعة. بعد فترة قصيرة، تلقيت طلب صداقة من شخص يحمل اسم "هرمون السعادة". وافقت على الطلب، وكان الهدف مجرد التسلية. اكتشفت أنه شاب من الإمارات، وكان يقطن في نفس منطقتي. في البداية، ظننت أنه فتاة، لكن تبين لي لاحقًا أنه شاب في نهاية العشرينات. تحدثنا معًا عن حياتنا، وقد شعرت براحة في التحدث معه، رغم أنني كنت أعلم أن ذلك ليس صحيحًا.

في أحد الأيام، طلب أن ألتقي به. بعد نقاش طويل، وافقت على التحدث معه عبر الفيديو، ثم قابلته في مطعم. لم أتحدث معه كثيرًا، ولكن عندما رآني أروى، كان يبدو عليها الاستغراب. قالت لي: "انظري إلى نفسك، هل كنت تتوقعين هذا؟" ثم حدث ما لم أتوقعه؛ كان الموقف معقدًا، وبدأت أشعر بالضغط الشديد. شعرت بألم داخلي شديد وندم على ما فعلته.كان هادئًا، وهذا ما جعلني أشعر بالتوتر. قال لي بهدوء: "من هذا؟ لا تكذبي، هل تعرفينه من أين؟" لم أتمكن من الرد وبدأت أبكي، وضعت يدي على وجهي. قال لي: "دموعك لن تشفع لك. تكلمي، من هذا الذي كنتِ معه؟ يا بنت الحرام!" أجبت قائلاً: "هو شخص تعرفت عليه عبر الفيسبوك." قال لي: "أحضري هاتفك." قلت له: "حاضر." فأخذ الهاتف وقال لي: "افتحي النمط." فتحته، فدخل إلى المحادثات وكل المكالمات والرسائل النصية، ثم نظر إلي وقال: "كنت أحب فيك شيئًا واحدًا، وهو أنك لم تكشفي أسرارنا. اليوم، خرجتِ بها للعلن، وفوق ذلك، خرجتِ مع هذا الشخص، وربما كنتِ أيضًا تأتيين به إلى هنا إلى البيت طالما أنك هنا بمفردك." كانت كلماته مؤلمة جدًا.
ثم قال لي: "لو كنتِ صادقة، لكان من الطبيعي أن تتصلي بي وتصارحيني. لكنك اتصلتِ بشخص غريب لأسباب مجهولة." ثم ضرب الهاتف بالحائط، ووجه لي ضربات بكل قوته، وقال لي: "لا بد أنني أسترجع الأموال التي دفعتها فيك."  مع الضرب والزلة  اغتصبني   وخلاني واقعة على الأرض وقال لي قبل ما يمشي  الان انت لسه عذراء 

هذا أيضًا لن يشفع لكِ، لأنك كنتِ قد نويتِ أن تأتي به إلى المنزل، لأنك لم تستطعِ تحمل الفترة السابقة بأكملها. دخل للاستحمام ثم خرج دون أن يسألني. بقيت أبكي في مكاني، ثم توجهت إلى الحمام. استحممت وابتلعت مسكنًا للألم، فقد كان جسدي كله مليئًا بالكدمات، وأصابني حمى وقيء. كنت أشعر بنزيف، ولم أتمكن من الاتصال لأن هاتفي قد تحطم. بقيت أرتجف في مكاني وأشعر بالدوار.

شهر العسل .. (14)

ــہہہـہہـہہہـہہـــہہہـہہـہہہـــــــــــ❥ :00:00​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏
 ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​
أشعر بدوار شديد وكأن روحي تُنتزع مني... بصعوبة بالغة تمكنت من تغطية جسدي بالبيجامة، وجلست على الأرض منهارة، ولم أستطع الوصول إلى السرير، ودموعي لم تتوقف عن الانهمار واحسست بنزيف   وضعتُ يدي على رأسي، فأحسستُ بشيء ساخن... نظرتُ إلى يدي فإذا بها مضرّجة بالدماء، وركبتي أيضاً كانت مليئة بالخدوش، لأنه كان يحملني بعنف كأنني نعجة. سمعت حركت شخص قادم   أصلحتُ وضع البيجامة جيدًا وحاولت أن أقاوم، لكن لم أستطع… ظللت ممددة أنظر إلى الشخص القادم، لكن عينيه كانتا شاردتين، فأغمضت عيني فورًا.

استفقتُ على صوت كمال وهو يصرخ في وجهي قائلًا: "توقفي عن التمثيل!"
فتحت عيني، كان ينظر إليّ بحقد، ثم قال: "هذه أمك، تحدثي إليها."

كان صوتي متغيرًا، حاولت أن أبدو طبيعية كي لا أخيفها، فأنا أعلم أنها مريضة بالسكري ولا تحتمل الصدمات.
قلت لها: "كيف حالك؟"
فقالت: "كيف حالك أنتِ؟" وسألتني لماذا صوتي متغير، فقد اعتادت أن أتصل بها كل يوم، وقد أقلقها أنها رأت حلمًا سيئًا.
طمأنتها وقلت إنني بخير، وإن هاتفي تعطل، وأنهيت الحديث بسرعة وأعطيت الهاتف لكمال.

كنت أغمض عيني من شدة الألم، فإذا به يمسك بطرف بيجامتي محاولًا رفعها، أمسكت يده وأبعدتها، فقال: "أريد أن أرى من أين يأتي هذا الدم."

فقلت له بضعف: "ليس من شأنك."    

رغم مقاومتي، أبعد يدي بعنف ورفع البيجامة. ضممت ساقيّ إلى بعضهما محاوِلة التستر، لكنه قال بسخرية:
"أصلاً عندك ذرة خجل؟"

لم أكن قادرة على الرد، وأُغمي عليّ من شدة التوتر.
رشّ عليّ ماءً حتى استعدت وعيي، ثم أجرى اتصالًا وقال:
"كيفك يا تبو؟ تمام والله... عايزك في حاجة ضرورية جدًا، أي والله، لا لا، ياخ أروى بخير، والجنين كمان. ولو ما إنتي معرفة وما بتقصري، ما كنت طلبت منك. تسلمي يا ذوق، حرسل ليك العنوان، ما تتأخري... يلا سلام."

وبعد حوالي ربع ساعة، حضرت امرأة، سمعتها تصرخ في وجه كمال:
"إنت مجنون يا كمال؟ دا شنو العملتو؟ بقيت أخاف منك والله، آخر زول كنت أتوقع منه حاجة زي دي!"

ثم دخلت عليّ، وبعد أن فحصتني، قالت له:
"وديها المستشفى، أحسن."
فرد عليها:
"إنتي اتصرّفي، هي قدامك كويسة، ما تكبّري الموضوع."
فقالت له بنفاد صبر:
"كمال، اسمعني، بتقدر تشتغل، ما بتقدر، الله معاك."

فتحت حقيبتها وكتبت لي وصفة، ثم قالت لي:
"جيبي معاك الحاجات دي بسرعة."
وأعطتني حقنة، وشعرت أنها بدأت تتعاطف معي.

بعد ذلك أخذت منه الأدوية وقالت له:
"خليك برا."

وبعد أن أنهت كل شيء، قالت لي:
"أنا حأقعد معاها لحد ما تتحسن، وأنت خليك بعيد عنها في الفترة دي."

بقيت معي أسبوعًا كاملًا كممرضة، وحاولت إصلاحي نفسيًا. وبعدها، رحلت، وكنت قد بدأت أتحسن.
لكن كل ما حدث ظل يعاد في ذهني كأنه شريط فيديو لا يتوقف.
صرت أتجنب الجلوس في البيت وحدي، أذهب لعملي، وأزور ابنة خالتي.

وفي أحد الأيام، عدت متأخرة إلى المنزل، فوجدت الأضواء مطفأة.
فتحت الأنوار، ودخلت الحمام، استحممت، ثم وقفت أمام المرآة أسرّح شعري.
كانت هناك ندبة واضحة في جبيني.
شردت للحظة، وفجأة لمحت شخصًا ما…

ذهبت نحو الباب لأغلقه، لكنه دُفع بقوة حتى سقطت معه.
نهضت ونظرت لأرى من هو… فإذا به كمال.

نظرت إليه بغضب وقلت:
"عايز شنو؟"

فرد بابتسامة خبيثة:
"😏😏😏😏 يعني حأكون عايز شنو منك؟ إنتي عارفة وما صغيرة."

عاينت لي بي احتقار وقرف  ما اتفاهم معاي  وقرب مني   ورفعني ورماني في السرير بقوة واغتصبني  وبعد أن انتهى، تمدّد بجانبي ونام، بينما أنا كنت أغطي جسدي وأكتم بكائي بصمت.

ومضى الوقت، وحين استيقظ، تظاهرت بالنوم.
أشعل سيجارته، دخّنها بهدوء، ثم عاد لينام.

في الصباح الباكر، استيقظ قبلي، استحمّ،
ثم رمى إليّ بعض النقود وغادر..


شهر العسل .. (15)

بعد أن غادر، دخلت لأستحم، ثم خرجت وأنا أشعر بالضيق والتوتر، فأفرغت غضبي على الطلاب في العمل.
رجعت إلى المنزل وأنا أشعر بالذل، فوجدته جالسًا على الأريكة، ذراعه مستندة، كأنّه في راحة.

قلت له:
– أعوذ بالله! ما الذي أتى بك إلى هنا؟
فأجابني بسخرية:
– ولِمَ أتيتِ بي دائمًا نفس الأسئلة الغبية والمكررة؟ اذهبي حضّري الغداء. ثم... لماذا تبدين بهذا القِدم؟ لا تنظفين الشقة، ولا حتى نفسك! لم أستطع تحمُّل رائحتك لدقيقتين.

فقلت له:
– لستَ مُجبَرًا على الاقتراب مني، ولم يُجبرك أحد على ذلك.
فردّ وهو يضحك باستخفاف: 😏
– هناك أناس إن لم نقترب منهم، يركضون خلف الحرام. ثم لماذا أُحاسَب على ذنبٍ لم أرتكبه؟

حينها غضبت، حملت الكيس وضربته في وجهه، وصرخت فيه بكلمات لا أتذكرها كلها، لكن ما أنا واثقة منه أنني تجاوزت حدودي وشتمته.

ثم... لم أفق إلا على صفعة قوية، وعيوني حمراء من شدة البكاء، قال بنبرة حادة:
– اذهبي وحضّري الطعام، هل فهمتِ؟

تماسكت وجهزت له الطعام. بعدها قال:
– اذهبي استحمي، وارتدي ما في الكيس الذي جلبته لك.
لم أُعره اهتمامًا وأكملت طعامي، فصرخ في وجهي مجددًا.
قمت متأففة، دخلت الحمام، ثم فتحت الكيس...
كان فيه فستان عنّابي اللون، مزين بالأسود، ضيق من عند الخصر والصدر، ومنتفخ قليلًا بعد الركبة.
أحببته... ووقفت أتأمله طويلًا. شعرت وكأنه خُيط خصيصًا لي، وكأن جسدي وُضع مقياسًا له.

قطع لحظة تأملي صوته المزعج، خرجتُ مرتدية الفستان، وعلى وجهي تعبير جاف.
كان واقفًا يحدّق بي طويلاً، وكأنّه يحفظ كل تفاصيل شكلي، ثم قال:
– هذا الفستان ليس لك، وُضع في كيسك بالخطأ. كنتُ قد جلبته لأروى.

دخل الغرفة، فتح الكيس الآخر الذي لم أفتحه أنا، وأخرج كيسًا صغيرًا، ناولني إيّاه وقال بابتسامة ماكرة:
– جلبتُ لك هذا، أعلم أنّك ستُحبّينه 😁

فتحت الكيس... كان قميص نوم أسود شفاف.
رمَيْتُهُ في وجهه.
ضحك وقال:
– آسف، يبدو أنك تحبّين اللون الأحمر. حسنًا، خذي هذا، لونه أحمر وشكله جميل.
أخذتُه وضربتُه به أيضًا!
ضحك بصوتٍ عالٍ، بينما أنا كنت على وشك الانفجار من الغضب.

صرخت:
– تجلب لها فستانًا، وتجلب لي قميص نوم؟ شكرًا... بالنون!

كان لا يزال يضحك، وقال:
– استفززتك؟ 😂😂😂 عموماً الفستان يليق بك، وكنتُ قد أحضرته لك منذ البداية.

ثم جرّني ليجلسني في حضنه، اقترب من وجهي، فتماسكت وتظاهرت بأنني أشمّه، قلت له:
– لا أشم أي أثرٍ للكحول أو الحشيش.

ضحك مجددًا، وقال:
– لا، لم أتناول شيئًا. فقط... أروى ذهبت لتقضي أسبوعًا مع أهلها.


شهر العسل .. (16)

ذهبت "أروى" لتقضي أسبوعاً مع أهلها، حيث لديهم مناسبة زفاف لابنة خالتها. فقررت أن أبقى هنا، خصوصاً أن هناك بعض الأشخاص لا يمكن تركهم وحدهم حتى لا "ينحرفوا". قلت له مازحة: "والله لن أقصر في مراقبتك."
فردّ ساخرًا ببرود:
– "أنتِ حيوان، لا أكثر."
ثم ضحك بصوت عالٍ وقال:
– "آه، لو تعلمين كم أشعر بالراحة النفسية حين أراك تغتاظين ويحترق دمك!"

ووضع رأسه على كتفي، ويده على بطني.
فهمست له قائلة:
– "كمال..."
فردّ بسرعة وهو يضحك باستخفاف:
– "لا تنطقي اسمي بهذه الطريقة، وإلا ستتحرك في داخلي أشياء... أستغفر الله!"

نظرت إليه بدهشة وقلت:
– "لماذا سكت فجأة؟"
قال وهو يحاول أن يبدو بريئًا:
– "فهمك ثقيل، صفّي نيتك، لم أقصد ما تظنينه."

شعرت بالإحراج، ثم قلت له:
– "تتصنع الظرافة! دعني وشأني!"

غضبت وصرخت:
– "يا إلهي! كيف أنجبتك أمك؟! أنت ثقيل الدم بشكل لا يُحتمل!"

ظل يضحك وهو يضيق عليّ ذراعيه أكثر، ثم فجأة قبّلني في عنقي.
وبدأ يفك شعري برفق، ثم قال:
– "أنا أعشق الشعر الطويل والكثيف."

اتجه إلى الغرفة وأخذ يبحث في حقيبته، بينما بقيت واقفة مكاني أراقبه باندهاش.
أخرج من حقيبته فرشاة ومشطًا كان يخفيهما، وقال مبتسمًا كطفل:
– "أريد أن أسرّح شعرك. اجلسي هنا، لا، اجلسي أمام المرآة."

قلت في نفسي: "لا بد أن هذا الرجل يعاني من اضطراب نفسي."
سحبني برفق وأجلسني أمام التسريحة، ثم بدأ يسرّح شعري بطريقة مؤلمة، كان يشدّ بشدة لدرجة شعرت بأن فروة رأسي قد تأذت.
كان مستمتعًا بينما كنت على وشك البكاء.

في النهاية قلت له:
– "يكفي! لقد شوهت شعري!"
رفعت شعري لأربطه، فأمسك يدي وقال:
– "دعيه كما هو، يعجبني هكذا. ألم أقل لك من قبل أنني أحب شعرك؟"

قلت له:
– "أريد أن أذهب."
فدفعني بقوة نحو الحائط، ثم أمسك يديّ ورفعهما فوق رأسي، ووضع يده الأخرى خلف ظهري، وبدأ بتقبيلي في رقبتي، ثم أمسك وجهي وقبّلني بعنف لدرجة أنني شعرت بألم وجرح في شفتي، وكتم أنفاسي.
وبعد لحظات ابتعد عني، ولصق أنفه بأنفي، وكانت أنفاسه تتلاحق.

نظر في عينيّ، ثم نظرت إلى الأسفل وقلت بخجل:
– "لماذا تكون عنيفًا معي؟"
ثم خجلت ولم أستطع إكمال الجملة.

فتح سحاب فستاني... ثم رنّ هاتفه.
جلس على السرير وهو يحاول تهدئة أنفاسه، أما أنا فبقيت متسمّرة مكاني.
رد على الهاتف:
– "ألو، أروى؟ أنا للتو خرجت من العمل. هل أنتِ في الشقة؟ جيد، أنا في طريقي إليك. أجل، أحضرت لكِ الفستان. وأنا أيضًا أحبك."

مسح وجهه بيده وقال:
– "أوووف..."
ثم نظر إلى نفسه في المرآة، وأخرج عطراً ورشّ منه.
دخل الحمام، غسل وجهه، ثم خرج.

نظرت إليه وأنا أركز على شفتيه. لاحظ ذلك.
انحنيت من أمامه خجلًا.
خرج ثم عاد وقبّلني مجددًا، وقال:
– "سأعود لاحقًا."
ثم غادر.

كان قلبي يخفق بشدة حتى شعرت أن صدري سينفجر.
كل ما أفكر فيه هو قبلته، وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى وجهي... كانت شفتاي لا تزالان محمرّتين، كأنهما مجروحتان، فظللت أنظر إليهما لدقيقة كاملة.

بدأت أتمشى في الصالة وأعود.
هو ذهب إلى شقته.
(أروى) بالطبع بدأت تشكّ فيه.

كان قد أحضر لها فستان سهرة وطقمًا من سلسلة وحلق...


شهر العسل .. (17)

أحضر لها فستان سهرة مع طقم من السلسال والأقراط، فلما أخذت منه الهدايا، عانقته وخرجت من الغرفة، ثم جلست خارجًا لخمس دقائق، قبل أن تعود وتطرق الباب. فتح لها وسألها:
– "هل تحتاجين شيئًا؟"
فأجابته بابتسامة:
– "لا، فقط أردت أن أراك."
ثم عانقته مرة أخرى وذهبت.

كان يعلم جيدًا ما يدور في ذهنها؛ لقد أرادت أن تختبره، لترى إن كان سيغادر البيت أم لا. وبعد مغادرتها، اتصلت به بعد نصف ساعة عبر مكالمة فيديو لتتأكد من أنه لا يزال في البيت. لكنه أجاب بتعب:
– "أنا مرهق، أريد النوم، لا تتصلي مجددًا، لدي عمل غدًا، وأنتِ تعلمين أنني أطبخ بنفسي، وأتأخر في الطبخ."
اقتنعت بكلامه وأغلقت الخط.

لكنه عاد إليّ بعد ذلك، وكنت أنتظر عودته. حين سمعت صوت فتح الباب، أسرعت إلى غرفتي وتمددت على السرير متظاهرة بالنوم كأنني غائبة عن الحياة منذ أسبوع.

دخل الغرفة، رآني نائمة، فابتسم وقال:
– "نمتِ؟ أنا أعلم أنك مستيقظة."
لكنني بقيت ساكنة.
قال ممازحًا:
– "مصرة؟ حسنًا، سترين."
ثم جذب الغطاء عني ورفع الفستان، فنهضت من مكاني فزعة.
ضحك وقال:
– "لو لم تنهضي بنفسي، لفعلت شيئًا!"
أعدت تعديل الفستان وتغطيت، فجلس يتأملني لحظة، ثم مد يده إلى شعري، وجذبني إليه وقبلني بلطف.

ظل يلعب بخصلات شعري، ثم أمسك بكلتا يديّ، ووضعهما فوق رأسي بيد واحدة، واحتضنني بشغف. مرت لحظات ووجدتني أرتدي فقط ملابسي الداخلية، بينما هو قد خلع قميصه، وأخذ يدي ووضعها على ظهره، ثم قبل جبيني، وانتقل إلى أنفي وشفتيّ، ثم عنقي حتى وصل إلى بطني، وكانت يداه تتحسس ظهري.

رفع رأسه ونظر في عيني قائلًا:
– "قولي توقفي."
فأجبته بخجل:
– "لن أتوقف."
وحدث ما حدث.

بعد لحظات من الهدوء، كنا نائمين بين أحضان بعضنا. استيقظت قبله، نظرت إلى وجهه، وراودتني رغبة في لمس ملامحه، لكنني ترددت. ثم فتح عينيه، وقلبني فوقه، وقال:
– "صباح الخير."
أجبته بابتسامة:
– "صباح النور."
ثم أمسكت بفستاني وارتديته بخجل.

نظراته كانت عميقة، فقلت له ممازحة:
– "هل يمكنك أن تتوقف عن هذا المزاح الثقيل؟"
فضحك، فسألته:
– "ما المضحك؟"
أجاب:
– "لا تتوقفي... لا تتوقفي."
نظرت إليه بغضب وضربته بالمخدة، وهممت بالخروج، لكنه أمسك بي وأجلسني على ركبته وقال:
– "لا تغضبي، أنا فقط أمزح."
قلت له:
– "دعني، أريد أن أستحم."
فأطلق سراحي أخيرًا بعد أن سحب روحي من جسدي.

وعندما دخلت الحمام، ناداني باسمي:
– "رغد!"
التفت إليه فقال لي مرة أخرى:
– "لا تتوقفي!"
ضحكت، ثم التقطت الشبشب بجانبي وضربته به على وجهه، ودخلت الحمام.

دخل هو الحمام الآخر، وأنا كنت أفكر في كل ما حصل، ويملؤني الخوف من القادم. لا أعلم ما الذي سيحدث لاحقًا، ولا أتوقع ردود أفعاله.

شربنا الشاي سويًا، دون أن أشعر وجدت نفسي جالسة على ركبتيه. نظرت إليه وسألته:
– "لماذا تعاملني هكذا؟ ما الذي تخطط له؟"
فنظر إليّ بهدوء...


شهر العسل .. (18)

نظرت إليه وقلت: لماذا تفعل بي هذا؟ وماذا تخطط لي؟ نظر في وجهي وقال: "رغد، أتعمدين إفساد مزاجي؟ على كل حال، نجحتِ."
غضبت وقلت: "طالما أنك تريد طلاقي، فلماذا تُبقيني معلقة بك؟"
كنت أتعمد معرفة نواياه ومصيري، لكنه تجاهلني، حمل حقيبته وهاتفه، وارتدى ساعته.

قلت: "أتحدث إليك وكأني أتكلم مع جدار. ما أنا بالنسبة لك؟"
ردّ: "زوجتي."
قلت: "حسنًا، وماذا عن أروى؟"
قال: "أتريدين الحقيقة أم الكذب؟"
قلت: "الحقيقة."
قال: "أروى هي روحي ونفسي."
شعرت باختناق من شدة الغيظ. غادر وأنا بقيت أتألم.

كنت قد اغتسلت، فأعدت الاغتسال، ووضعت مكياجًا مبالغًا فيه، ثم ذهبت للزومبا، ومن هناك إلى عملي، وبعده دخلت مطعمًا.
كنت أرتدي فستانًا كحليًا داكنًا، وأحمر شفاه غامق اللون، وكحلت عينيّ، وضعت الماسكارا.

كان هناك شباب أمامي يتحدثون ويغازلونني، وكنت أشعر بالضيق، كدت أفتعل مشكلة في المطعم، لكني استغفرت الله، وأكملت طعامي وخرجت.

وأنا عائدة، وقف لي كمال بسيارته وقال: "اصعدي."
ركبت دون أن أنطق بكلمة. الشباب الذين كانوا يضايقونني رأوني وهم يتحدثون، لكني تجاهلتهم.
كمال كان يسمعهم وعبس وجهه.
أخرج منديلًا، مسح به شفاهي وقال: "امسحي هذا الأحمر حالًا!"
وحين وصلنا البيت، وبّخني: "أحمر الشفاه ممنوع خارج البيت."
قلت: "ما شأنك؟ لم لا تذهب لأروى؟ فهي روحك ونفسك، لماذا تبقى معي؟"
قال: "أنت خرجت دون عباءة، ووضعت مكياجًا، وشعرك ظاهر من الخلف."
لمس ظهري، فقلت له: "لم أنتبه، سأغطيه."
فقال: "أتعمدتِ أن تظهري شعرك وتضعي المكياج لتلفتي أنظار الشباب، أليس كذلك؟"
صرخت: "كمال! ما هذا الكلام؟ عمري لم أفعل شيئًا كهذا! أنا كنت دائمًا خائفة من الرجال، تربيت على الحذر منهم، وأنت الرجل الوحيد الذي أردت أن أبدو جميلة أمامه."

سألني: "ومن هو هذا الرجل؟"
قلت: "تسأل وأنت تعلم؟"
قال: "لا، لا أعلم."
قلت: "أنت يا كمال."
حتى من تحدثت معه على فيسبوك لم يتجاوز حدوده معي. كنت فقط بحاجة للفضفضة، ولم أخنه لا بمشاعري ولا بجسدي.

قال: "أنا جائع، حضّري لي الطعام بسرعة."
حضّرت له الطعام ساعة كاملة، وعندما انتهيت وجدته نائمًا على الكنبة. لا أعلم لماذا استلقيت إلى جواره.
فجأة، احتضنني، وضعت رأسي على صدره، وساقي فوق ساقيه، ونمت على هذا الحال.
استيقظت متألمة من وضعية النوم، فقد كنت على جهة واحدة.

استيقظ هو أيضًا، ونظر إليّ مبتسمًا وقال: "لقد أصبحتِ أكثر امتلاءً."
اقترب مني واحتضنني أكثر، ثم نهض، دخل الحمام واغتسل، وأنا كذلك، ثم ذهبت للمطبخ وجهزت الشاي والفطور.

كان اليوم عطلة رسمية.
بعد ساعة، خرج وهو يبدو عليه النعاس، يرتدي برمودا وتيشيرت، ويتحدث في الهاتف:
"نعم يا أروى، لم أنس، سآتيكم. السيارة في الورشة... نعم، أنا معها. اليوم عطلة، دعيني أنام قليلًا وأرتاح، سآتيك الظهر. لا طاقة لي بالعمل. عمار رجل مستفز، ولو لم يكن عرسه لما حضرت. حسنًا، يا حب، أشتاق إليك أيضًا."
قلّبت عيناي، وأظهرت امتعاضي.

ابتسم لي وغمز، لكني تجاهلته وتظاهرت بالاندماج مع الفيلم.
جلس إلى جانبي، أمسك وجهي، وقبّلني على خدي حتى كدت أميل من كثرة شعوري به.
قلت له: "مالك يا كمال؟ ابتعد عني."
جلس باستقامة قليلاً، ثم عاد ليشدني نحوه ويقبلني في عنقي، يشد شعري، فقلت: "الله!"
ضحك، فركضت لأتبعه، حملني ورماني بقوة على السرير.

صرخت: "ستكسر عمودي الفقري!"
قفز عليّ، وحدث ما حدث...
استيقظت وأنا نائمة على كتفه، ويده تمر على ظهري، يلعب بخصلات شعري،
فجأة رن هاتفه – كانت أروى –
قالت: "أين أنت؟"
قال: "في الورشة، سبق وقلت لك."
قالت: "كمال، أنا أمام شقة رغد، افتح الباب."
سمعت صوت طرق الباب، شعرت كأن ملك الموت جاء.

أسرع يرتدي ملابسه، حتى التيشيرت كان مقلوبًا، فتح الباب، وجدها واقفة، عيناها حمراوان، وأنفها محمر من كثرة البكاء، والدموع تملأ وجهها.
وقف مصدومًا، وعيناه متسعتان.

قال لها بصوت مبحوح: "أروى، اهدئي ودعينا نتفاهم."
دفشته، ودخلت، حاولت ضربي للمرة الثانية، أمسكت يدها، قبل أن نتشابك تدخل هو بيننا، رفع أروى وحملها للخارج.

قالت له: "لا تلمسني! لم أصدق أنك تكذب عليّ!
كنت في المنزل عندما اتصلت بك في الصباح!"
ركع أمامها واعتذر: "آسف، يا حب."
صرخت: "لا تقل يا حب! كفى كذبًا!"
حاول منعها من المغادرة، لكنها خلصت نفسها وقالت:
"إياك أن تلحقني، دَعْ هذه تنفعك! أرسل لي ورقتي.
ليتني استمعت إلى أهلي ولم أتمسك بك. أنت لم تستطع حتى إقناع أهلك بزواجنا."

وغادرت، وهو يناديها.
بعدها غضب، وكسر عدة أكواب، وأغلق باب غرفتي.
خفت أن يثور في وجهي، فأنا لا طاقة لي بذلك.

بعد فترة، ذهب إلى بيت أهلها، لكنها رفضت رؤيته.
وبعد أسبوع قبلت أن تتحدث معه بشرط أن يطلقني.
قضى أسبوعًا في التعب والمذلة، ينام في مجلس أهلها.

وفي النهاية، جاءني وقال:
"سنسافر إلى السودان بعد غد. جهّزي أشياءك والهدايا."


شهر العسل .. (19)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ❥ :00:00
قال لي المسافرون إلى السودان بعد غد: "جهزي أشياءك والهدايا لكل شخص واشتري بطاقة لكل واحد". اتصلت بعلا لكي تذهب معي للتسوق، لكنها كانت قد عزمت على عدم شراء أي شيء، وكنت أكتفي بهز رأسي. كنت أشعر أن الدنيا مظلمة وكل الأبواب مغلقة في وجهي، لكن علا لم تشعر أنني زعلانة أو مكتئبة. ضحكت معها، وربما كنت سعيدة لأنني سألتقي بأهلي بعد غياب أربعة أشهر. مر اليومان بسرعة البرق، ووصلنا إلى مطار الخرطوم، حيث كان الأهل جميعهم في استقبالنا. أخو كمال، اسمه محمد، قال لنا: "ماذا هذا؟ شهر العسل الذي لا ينتهي!" وكان الجميع يعلقون على مظهري، وقالوا لي: "لقد أصبحتِ أجمل". وعندما وصلنا، قاموا بذبح الأضحية وفرحت الأجواء، وكانوا يسألون: "هل أصبحتم ثلاثة الآن؟". كان كمال يبدو عليه عدم الارتياح. في المساء، أعدوا لنا غرفة لراحتنا، وظل هو طوال الليل مشغولًا، ربما انتهى من تعبئتين، بينما نمتُ أنا. استيقظت فوجدته في نفس الكرسي الذي كان يجلس فيه أمس. دخلت لأستحم، ثم خرجنا معًا. قال لهم: "أنا أريد الطلاق، لا أريدها"، وهجم عليه الجميع. قالت أمه: "ماذا تقول يا بني؟". فقال لهم: "كلامي واضح". قال له والده: "أنت مجنون، ماذا تقول؟". غضب كمال وقال: "أريد الطلاق وأنا حر". كان يعاني من اضطراب عصبي. قالت له أمه: "اهدأ، قل بسم الله ولا تغضب، وبعدها سنتفاهم عندما تهدأ". قال لهم: "كنت متزوجًا من قبل، من رغد أروى التي أخبرتكم عنها، وهي حامل. وأنتم، رغد، أنتم السبب". سكت والده قليلًا ثم قال له: "افعل ما يريحك"، ودخل إلى الداخل، أما الآخرون فسكتوا. أما أنا فكانت دموعي تتساقط، فكنت أحاول أن أتماسك ولكن لم أستطع. وصلنا إلى بيتنا ورجعنا إلى أمي.

بمجرد وصولي، سألتني عن كمال، فقلت لها: "أشتاق له يا أمي"، وبكيت. قالت لي: "لقد كبرت الآن". سلمت على أخوتي، وكان أيمن متزوجًا وأكبر مني، بينما عماد كان أصغر مني بعامين، وإيمان كانت في السادسة عشرة من عمرها. زوجة أخي اسمها نهلة، وهي ظريفة وتشبه إحدى أخواتي. كانت تحتضني وكأنها لا تريد أن تتركني، وتقول: "أنتِ هنا لوقت طويل، لن يكون شهر العسل أطول من ذلك". وفي نهاية الأسبوع، عدت سريعًا. المهم، عندما كانوا يسألونني عن كمال، كنت أغير الموضوع، وكان كل شيء يمر في صمت.

لكن بعد ثلاثة أيام، علمنا بأن والد كمال توفي. كان والدي مشغولًا وقال: "لا إله إلا الله، وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". سألنا عن حاله، ثم ارتديت عباءة وطرحة وشبش حمام، وخرجت بسرعة إلى منزلهم. وجدت أم كمال تجلس وتبكي، فحضنتها وبكينا معًا. بعد ذلك، غادرت ورأيت أن حالة البيت كانت أسوأ من قبل. أخت كمال نقلوها إلى المستشفى، بينما كنت أقدم للزوار المياه والقهوة. لم أكن قد لمحت كمال بعد.

في المساء، قالت لي أمي: "اذهبي إلى البيت، وعُودي غدًا". عدت إلى البيت، ونامت أمي، وعندما استيقظت في الصباح، رجعت. أثناء سيرنا في الشارع، لمحت كمال من بعيد، وكان يبدو وكأنه غير واعٍ. اقتربت منه وسألته عن حاله، لكن لم أتمكن من التواصل معه. عندما أتى المساء، كنت قد قضيت يومين في منزل كمال. جلست معه، وكان يبدو شاردًا ومرتديًا نفس الملابس منذ ثلاثة أيام.

قلت له: "قوم، غير ملابسك واستحم". بعدها، أخذته إلى الحمام، حيث استحم. قال لي: "رأسي يؤلمني، أحتاج إلى مسكن". شيلت له البشكير وجففته، ثم أعددت له مسكنًا وعصيرًا. عندما جاء إيمان، طلبت منها تجهيز الطعام له. عدت إليه فوجدته مستلقيًا على قدمي. أمضيت وقتًا في تدليك رأسه، وكان يشعر بالراحة حتى نام. أما إيمان، فقد حضرت الطعام، وطلبت منها أن تزيله بلطف.

كنت في غاية الحيرة مما يجري، ولكن كانت هذه الأحداث تأخذ مسارها.


شهر العسل .. (20)

الأخيرة

قالت لي زوجة أخي وهي تبتسم: "يبدو أن شهر العسل لم ينتهِ بعد." ضحكت على كلامها ومضيت إلى بيت العزاء، حيث كان الضيوف كثيرين. لكنني كنت في حالة من الاضطراب، إذ كان تفكيري مع كمال. ربما تفقدته أكثر من خمس مرات، وكنت أجده نائمًا. رجعت إلى المنزل في وقت متأخر، حوالي الساعة العاشرة وبعض الدقائق.

قالت لي زوجة أخي: "انظري، ربما لا يزال زوجك مستيقظًا." ضربتها على ظهرها ومضيت إلى حيث كان، ووجدته يتحرك في نومه. كان قد بدأ يستيقظ، فتح عينيه ثم جلس لفترة، فأخبرته أن صداعه قد زال. قال لي إنه يريد الاستحمام، فجهزت له الحمام. بينما كان يستحم، حضرت له العشاء.

عندما خرج من الحمام، وجد العشاء جاهزًا. تناول العشاء ثم توضأ، وكان أثناء صلاته عيونه مملوءة بالدموع. بعد أن انتهى من الصلاة، كان يدعو وهو مغمض عينيه. لم أتمالك نفسي، فركعت على ركبتي، مسحت دموعه وبسته على رأسه.

مررت يدي على حواجبه، ثم على خديه ولحيته، وأخذت رأسه ووضعته على صدري. كنت أشعر وكأنني أمه وهو طفلها، وأني مسؤولة عنه. بعد فترة، تراجع عني ورقد في السرير. رقدت بجانبه، وحاولت رفع رأسه ووضعه على صدري. فهمني وأخذ رأسه وألصقه على صدري، فحضنته بقوة، ثم مررت يدي على شعره.

قال لي: "أبي مات وهو غاضب عليّ، يا أروى." شعرت بالغيرة للحظة، لكنني سكوت وأجبته: "أنت مخطئ، ربما كان والدك يحبك أكثر من أي شخص آخر. أنت تعلم أنه كان يوصي إخوانك الأكبر منك باحترامك واستشارتك في كل شيء، لأنك أذكى منهم جميعًا."

وأضافت: "لقد كان والدك راضيًا عنك في الدنيا والآخرة. كان يحبك، وقبل موته قال لي: 'يا أروى، حافظي عليه واهتمي به، فقد كان كل شيء بالنسبة لي.' وكان يوصيهم بعدم إزعاجك."

كانت عيونه مليئة بالدموع، فمسح دموعه وبسته في عينيه. ضممته إلى صدري وظللت ألعب بشعره حتى استسلم للنوم. كان نائمًا كطفل في حضن أمه. نمت بجانبه، وفي الصباح استيقظنا متأخرين.

رفعت رأسي، فرفع هو أيضًا رأسه وحركه. شعرت بألم في صدري بسبب وزنه. أمسك بيدي ورفعها ووضعها فوق رأسه، ثم قبّلني بعنف. بعد أن ابتعد عني، قال لي: "أشتاق إليك، كيف حالك؟" ثم حدث ما حدث.

قلت له: "أرني، كيف أخرج أمامهم." فخرج هو كالحيوان، ولم يكن هناك شيء. خرجت بعدها، وبدأوا يشغلونها لي. قال لي أحدهم: "لا يزال هناك من لديهم شهر عسل لم ينتهِ." حتى أمي قالت لي ذلك. 😭😭😭 بدأت تعمل لي، ثم توجهت إلى بيت أهل حماي.

بقيت معهم فترة، ثم رجعت بعد أسبوع ولم أرَ كمال. سمعت من أهله أنه سافر. شعرت بالحزن، وقلت في نفسي: "أكيد أروى اتصلت عليه، وهو ذهب إليها. هل يريد أن يطلقني؟ أم أنه سيبقي عليّ كما قال؟" كنت أرتدي بجامة وأنا في حالة من الإرهاق، أغسل الأدوات وأطنطن.

جاءتني إيمان مبتسمة وقالت لي: "ماذا بكِ؟" فأجبتها: "زوجي في الديوان، يعطيه ماء." قفزت وقالت لي: "تعالي." قلت له: "إذا كنت جئت لتطلقني، فأنا أعلم." 😂😂😂 قال لي: "أنتِ دائمًا تقولين ذلك، لكنكِ لم تفكري فيَّ." جراني إلى مكانه، وجلسني على رجليه، وقال: "شكرًا على الاستقبال والترحيب، وأتيت لأقول لكِ: استعدي للسفر إلى الإمارات. لا يمكنني السفر دونك."

نظرت إليه بتعجب، فقال لي: "رغد، جعلتني أفكر فيكِ وأحبكِ، وقد أخذتِ مكانًا خاصًا في قلبي." لم أشعر بنفسي إلا وأنا أقبله في كل مكان على وجهه. قال لي: "توقفي، أريد أن لا أتورط في هذا المكان."

أمسكني وقال لي: "اذهبي لتستحمي، لقد مر أسبوع وأنتِ ترتدين نفس الملابس." حينها شعرت بالغضب، لكنه ضحك وقال: "هيا، قومي، في المساء سنسافر، استعدي."

ودعت أهلي وسافرت معه إلى الإمارات. أروى كانت غاضبة لأنها لم تطلقني، لكن كمال أصبح يعاملها ببرود، زعل منها لأنني لم أذهب إليه ولم أقدم له الدعم في محنته.

بعد فترة، أخبرني أنه بعد إرسال التذاكر إليها، رفضت الحضور، وبقيت مع أهلها طوال فترة حملها حتى ولدت طفلًا سماه فهد. ثم حرضوها على طلب الطلاق، وبالفعل تم الطلاق بعد أن وضع شروطًا. بعدها تزوجت من ابن خالتها، مما جعله يشعر بالغيرة. لكنه تجاوز هذه الفترة، وعاد لي في المساء ناسيًا كل شيء.

بعد فترة قصيرة، أنجبت أيضًا ولدًا سماه "شهاب". لم أتمكن من زيارة أهلي بسبب عمل كمال، ولكن أم كمال زارتني وساعدتني. حياتي أصبحت أفضل بفضل الله.

كمال بدأ يعاملني باحترام، وأحيانًا كان يعاملني كزوجته وأحيانًا كصديقته، وأحيانًا أخرى كحبيبة. وأنا أيضًا كنت أتعامل معه كطفلي وحبيبي وزوجي وصديقي.

وأتذكر أول يوم في شهر العسل، كان أفضل شهر عسل في حياتي لأنه غيّر الكثير في حياتي.

كتبت هذه القصة لأقول:

حواء، أنتِ جميلة، لكنك بحاجة إلى العناية بنفسك وتطويرها قليلًا. لا يوجد مخلوق قبيح، العناية بالنفس تكون في الشكل والأخلاق.

حواء، إذا قيمتِ نفسك وكنتِ واثقة بنفسك، ستكسبين.

آدم يحب المرأة القوية التي تثق في نفسها.

هناك مقولة تقول: "الرجل يعشق معذبته."


النهاية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال