رواية نوارة (بقلم سوداني) الجزء الثاني

 نوارة



نوّارة 《05》

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖

في اليوم التالي، ارتديت ملابسي وأنا أستعد للذهاب إلى الجامعة. خرجت إلى ساحة المنزل، فوجدت والدي جالسًا بالخارج يقرأ الجريدة. ألقيت عليه وعلى أمي تحية الصباح، ثم جلست لأشرب شايي. لم يفتح معي والدي أي حديث عن ما جرى بالأمس، وكأن شيئًا لم يحدث، بل حاول التحدث معي كالمعتاد.

بعدما أنهيت شايي، حملت حقيبتي، وقبل أن أغادر، قال لي:

– فكّري جيدًا يا ابنتي، وراجعي الأمور في رأسك. ميّزي بين من يحبك بصدق، ومن يتلاعب بك. أنا دائمًا أضع ثقة كبيرة فيك، وها أنتِ قد جرّبت الخطأ وتألّمتِ، ورأيتِ كم هو موجع. عودي إلى رشدك، وإلى ربك يا ابنتي. أنا راضٍ عنك، وقد عفوت عنك.

قبّلت رأسه ومضيت. كان والدي يظن أن مازن قد تلاعب بي، أو أنني أبكي لأجله، لكن الحقيقة أنني أبكي على كل شيء حدث مؤخرًا... أبكي بسبب تصرفات وليد معي، وبسبب شعوري أنني خسرت كل شيء. مازن ملأ قليلاً فراغ وليد، أما الآن، فأنا وحدي... وحيدة جدًا.

كنت غاضبة من نفسي، ومن تصرفاتي، وأشعر أنني ارتكبت ذنبًا بحق نفسي وبحق غيري. وربما ما خفف عني قليلًا أن مازن هو من أنهى العلاقة بنفسه، وكأنّه أزال عني حملًا ثقيلًا.

حين خرجت إلى الشارع، التقيت بوليد عند باب البيت:

– نوارة... قالها بابتسامة عريضة.

استغربت... كيف يعاملني بهذه العادية بعد أن رفضته؟! ما بال هذه العائلة؟! من أنت حتى تبتسم بعد الرفض؟! من أنت حتى تبدو سعيدًا؟!

  • حسنًا، على الأقل لم أعد شفافة بالنسبة لك!

تجاهل كلماتي واقترب مني قائلًا:

– هل أنتِ ذاهبة؟ أوصلك؟!

نظرت إليه باستغراب لهذا التغيّر المفاجئ.

– أوصلك. قالها هذه المرة بنبرة أمر وهو يتوجه نحو سيارته.

  • لا، شكرًا. لست بحاجة إلى خدماتك!

سمعت صوت باب بيتنا يُفتح ووالدي يقول:

– أوه، وليد! كيف حالك؟ إن شاء الله بخير. لماذا تقف في الخارج؟

وليد رد عليه قائلًا:

– بخير يا عمي. كنت سآخذ نور إلى الجامعة، وسأعود فورًا.

قال له والدي:

– نعم، من الأفضل أن توصلها لأطمئن عليها أيضًا. الشارع مزدحم وخطير هذه الأيام. اذهبي يا نور، وفقك الله.

ركبت السيارة على مضض، وأنا مكتئبة. كنت أرى وليد مسؤولًا عن كل ما حدث لي، رغم أن الخطأ كان مني بالكامل، إلا أنني كنت أحمّله الذنب. لو أنه أحبني لما كنت بحثت عن الحب في مكان آخر. لو أنه أحبني حقًا، لما حدث كل هذا...

بقينا صامتين طوال الطريق، وهو كان ينقر على المقود كأنه يفكر في لحن. بعد قليل، التفت إلي وقال:

– سأذهب في مأمورية الأسبوع المقبل.

ولما لم أرد، تابع قائلاً:

– يعني حرب، طائرات، أسلحة... ثم قام بحركة مسدس بيده، وأشار إلى رأسي قائلًا: بيو... مسدسات!

نظرت إليه باستغراب، وتساءلت في نفسي: ما به هذا؟! هل اختُلّ؟! هل أصابه خلل؟!

– ما بكِ يا نوارة؟

  • ما بي؟! أنا؟! سبحان الله! ثم إن اسمي نور... ن و ر!

وحينها وجدت نفسي قد وصلت إلى الجامعة. بعد أن نزلت، نزل هو خلفي بسرعة وقال:

– متى تنتهين من المحاضرات؟

– وما شأنك؟!

  • الشارع خطير، وقد تندلع مظاهرات. متى تنتهين؟ أسرعي بالإجابة.

– لن أنتهي... سأبيت هنا!

أدرت له ظهري ومضيت، فسمعته يقول:

– حسنًا، سأعود عند الثانية.

توقفت دون أن ألتفت، وانزعجت؛ لأنني فعلاً أنتهي في الثانية! واصلت طريقي إلى القاعة، مزاجي في الحضيض... اهتمام وليد كان من المفترض أن يفرحني، لكنه كان يخنقني.

كنت خائفة من أن أُعلّق به مجددًا، ثم يخذلني... أحاول الآن أن ألملم نفسي، وأن أصبر، لكن إن تكرّر ما حدث في الماضي، فسأموت... والله سأموت، فقلبي لن يحتمل مرة أخرى!


انتهت المحاضرة الأولى، وعلمت أن الثانية قد أُلغيت. خرجت مع صديقتي، وظننت أنني لن أجد وليد بانتظاري، فقد خرجت مبكرًا، واستبعدت تمامًا أن يكون لا يزال موجودًا. مشيت بخفة، أتسلل كأنني أهرب، لكن عند بوابة الجامعة، فوجئت به جالسًا مع أحد رجال الحرس، رجل مسن، وكانا مستغرقين في حديث وضحك.

سمعت الحارس يقول له:
– وبس يا زول، أمسكت بتيستي هذه جيدًا، وحلفت أن أعطيها له.
فرد وليد:
– لا، الحق يُقال. إياك أن تعطيها له، إنه سارق لا غير.
فقال الحارس متحمسًا:
– أليس كذلك؟ أقسم بالله إنه سارق ومحتال. قلت له لولا الخوة لفتحت فيه بلاغًا وسجنته. في هذا الزمن، حتى أخوك، ابن أمك وأبيك، لم يعد مأمونًا.

انتهزت انشغالهما بالحديث وسحبت صديقتي معي بسرعة حتى لا يراني. كانت تمشي خلفي وهي تنادي:
– يا فتاة، توقفي، ما بك مستعجلة؟!

كنت أسير بسرعة حتى أمسكت بيدي فجأة وقالت بصوت مرتفع:
– نور!

– أين؟! أين؟!

يا إلهي... يبدو أنه رآني.
توقفت في مكاني، أغمضت عيني للحظة، وبدأت رجلاي ترتجفان من التوتر.

– إلى أين تهربين؟! تظنين أنني لم أرك؟ تعالي، اركبي.

  • لن أذهب معك، سأذهب مع أمل.

– لا بأس، فلتذهب أمل معنا أيضًا.

أمل تنحنحت بإحراج وقالت لي:
– لا داعي يا نور... سأذهب وحدي، فطريقي يختلف عن طريقك وأنت تعلمين ذلك.

  • لا... إما أن تذهبي معنا، أو لن أتحرك من مكاني.

– حسنًا يا أمل، اذهبي معها، فأنت تعرفين كم هي عنيدة.

ركبت أمل السيارة وهي تهمس لي غاضبة:
– ما الذي تفعلينه؟!

وبالفعل، جعلت وليد يوصل أمل، رغم أنها تسكن في أقصى المدينة، بعكس طريقنا تمامًا، وأصررت أن يوصلها حتى باب بيتها، ولم يتبقّ إلا أن ندخلها إلى غرفتها!

لكنني لم أدرك خطورة ما فعلت إلا عندما نزلت أمل، وبقينا أنا وهو وحدنا، في طريق العودة من تلك "البلدة البعيدة" كما كانت تسميها أمل.

يا إلهي يا نور، على تهورك وطيشك... هكذا أطلتِ المسافة علينا أيضًا!
الحل الوحيد الذي خطر لي حينها هو أن أتظاهر بالنوم، بل أن أغرق في النوم كليًّا. أسندت رأسي إلى المقعد، وفتحت فمي كمن نام نومًا عميقًا.

كان صامتًا تمامًا، لا يعيرني انتباهًا، حتى آلمتني رقبتي من الوضعية.
وبعد مسافة طويلة، توقفت السيارة. لكنه لم يتكلم، فقط ظل ساكنًا، وأنا أحترق فضولًا لمعرفة سبب التوقف. لكنني لم أفتح عينيّ خشية أن يعلم أنني مستيقظة.

سمعته يضحك بخفة، ثم قال:
– هل تظنين أنني أبيع الفول والتسالي؟! قومي، قومي، أعلم أنك مستيقظة!

فتظاهرت بالاستيقاظ المفاجئ، وجلست ألتفت حولي قائلة:
– أوه، هل وصلنا؟!

نظر إليّ مطولًا، ثم أخذ يهز رأسه ضاحكًا.
نزلت من السيارة دون أن أدعوه للدخول. دخلت إلى المنزل، لكنه دخل ورائي وكأن الأمر طبيعي! دخلت غرفتي، ولم أخرج منها حتى تأكدت من مغادرته.

مرّ الأسبوع، وكان وليد مواظبًا على زيارتنا في المنزل. وكلما رآني، ألقى التحية وحاول فتح مواضيع. كان شديد التوتر أثناء الحديث معي، يفتح مواضيع غريبة، كأنه يجاهد ليتحدث أو أنه يخجل مني. لكنه لم يذكر قط موضوع رفضي له، ولا أي شيء متعلق به.

حتى أبي، كان يحاول خلق فرص بيننا؛ يناديني لأُقدّم له شيئًا، أو ليسألني سؤالًا في حضوره. كان يحاول جاهدًا، وكنت أفهم مقصده تمامًا.

في اليوم الذي سبق سفر وليد، جاء ليودّعنا. جلس مع والدي في الصالون، وهذه المرة جعلت نرجس تذهب لتقدّم له الضيافة، ورفضت الخروج من غرفتي تمامًا.

جلس طويلًا، حتى ظننت للحظة أنه ربما ينتظر رؤيتي!
بعد قليل، خرج إلى الساحة مع أبي، وبدأت أراقبه من نافذة غرفتي المطلة على الحوش. فتحتها فتحة صغيرة، وبدأت أرقبه، وللحظة انبهرت به جدًا، ولم أستطع أن أزيح عيني عنه... تناقض غريب!

سمعته يقول:
– أين خالتي سهام؟ أودّ أن أودعها.

أجابه والدي:
– سهام بالداخل، تعد العجين... دقيقة، أناديها لك.

فأوقفه وليد وقال:
– لا، لا، لا تنهض، سأذهب إليها بنفسي.

بالطبع، خطر لي فورًا أنه جاء فقط لرؤيتي، فشعرت بشيء من الزهو في داخلي وقلت ساخرة: "هه! كيف سيراني وأنا مختبئة هنا؟ والله لن أخرج له، ولو كان ذاهبًا إلى الجحيم نفسه!"

مرّ من أمام نافذة غرفتي التي أراقبه منها، متوجهًا نحو المطبخ، دون أن يلتفت، ويبدو أنه لم يرني لأنني لم أفتح النافذة سوى قليلًا. سلّم على والدتي ونرجس، ثم خرج دون أن يوصيهما حتى بأن يسلّما على نور. يا له من شخص ثقيل الظل!

كنت أتمتم متذمرة ورأسي منخفض، ثم فجأة أحسست بشيء ما ضربني في رأسي وأسقطني للخلف! نهضت بسرعة وأنا أتحسس رأسي لأرى ما أصابني، فإذا به وليد، قد فتح النافذة تمامًا وراح يتصنّع البراءة وهو يحدق إلى الأمام، وقد وضع لي حلوى على حافة النافذة وقال: "رأيتك من قبل قليل بالمناسبة"، ثم انصرف!

بدأت أشتمه وأنا أفرك جبهتي من الألم، وشعرت بإحراج شديد... لقد كان يراني أراقبه! أحسست نفسي صغيرة جدًا. ومع ذلك، بعد قليل، أخذت الحلوى وفتحتها وأكلتها بكل استسلام!

مرت بضعة أيام وجاءت ولاء. كنت لا أزال متحسسة منها بعد رفضي لأخيها، وهي أيضًا بدا وكأنها لا تزال تحمل شيئًا في قلبها. سلّمت عليّ وسألتني عن نرجس، فقلت لها إن أمي أرسلتها للجيران وستعود حالًا.

اقتربت من باب الغرفة ثم عادت وجلست أمامي، كانت تلعب بأصابعها وقد بدا عليها التوتر، ثم قالت:

"نور... وليد أوصانا وأقسم علينا ألا نفتح معك هذا الموضوع مجددًا وألا نضغط عليك، وهو لو علم أنني أتحدث إليك الآن سيذبحني! لكن... وليد يحبك، والله لن تجدي أحدًا يحبك مثله! إن لم يكن في بالك أحد، لمَ لا تعيدي التفكير؟"

نظرت إليها وقلت: "يا ولاء، وليد لا يراني أصلًا، تقولين يحبني؟! وحتى الآن لم يحدثني في موضوع رفضي له، أليس هذا دليلًا على أنه تجاوز الأمر؟"

قالت بإصرار: "تجاوزه؟! هو لا يستطيع نسيانك أصلًا... لا يستطيع التقدم لغيرك، لأنه لا يجد من هي مثلك. نعم، هو كتوم ولا يتحدث، لكني أخته وأفهمه جيدًا. ثم إنه جياشي، أبناء هذه القبيلة لا يظهرون مشاعرهم بسهولة، لكنني أرى حبه لك في عينيه. فكّري مجددًا، يا نور، أرجوك."

هززت رأسي وأنا شاردة في كلامها، وبدأت أسترجع تصرفات وليد واحدة تلو الأخرى، وشيئًا فشيئًا بدأت أراها بشكل مختلف، وكأنها كلها كانت إشارات حب لم أفهمها حينها. ربما لكل واحد منا طريقته في التعبير، لكن الحب في النهاية يُشعر ويُحس.

خرجت ولاء، ثم دخلت أمي، وقالت: "سمعت كل ما قيل. اسمعيني يا نور، طالما أنك أغلقتِ هذا الباب، فلا تفتحيه ثانية وتورطينا بمشاكل. فهمتِ؟! الآن أمه تقول أخيرًا صار في حالٍ أفضل بعد أن قرر التقدّم لغيرك. أنا أعرف أنها تريده لإحدى بنات عمتك. اقفلي هذا الباب كما فعلت أول مرة."

خرجت وتركتني موجوعة... لماذا الجميع يتدخل في قصتي ويوجهني كما يشاء؟ أمي من جهة، ولاء من جهة، وخالتي رحمة أيضًا! سئمت كل شيء، وشعرت برغبة شديدة في الانعزال عن الجميع، عن كل شيء...

بعد سفر وليد، ظننت أن البعد سيساعدني على تصفية ذهني والتفكير بشكل أوضح، لكن الأيام مرّت وازداد تفكيري به. قد يقول البعض إنه حب مراهقة وسيزول، لكن الأمر مختلف... منذ زمن وأنا أشعر أن روحي معلقة به. منذ كنت صغيرة وهناك شعور غامض يجذبني نحوه دون أن أفهمه. والآن، أصبحت أشعر أنني مهما أحببت، ومهما عشت، لن أكون نفسي بدون وليد.

استسلمت لهذا الشعور، وعلمت أن مقاومتي له لن تزيدني إلا غرقًا فيه.

مرّ شهران تقريبًا، وقرر عمي حاتم أن يتزوج. رغم سنه الكبير، اختار فتاة هي قريبة لزوجة عمتي حنان، وقرروا إقامة الزفاف في القرية دفعة واحدة بدل إقامة مناسبتين. سافروا قبلنا، وقالت أمي إنها ستنتظر انتهاء امتحاناتي لنلحق بهم. لم يتبقّ لي سوى امتحانين.

في آخر امتحان، اتصلت بنرجس، فقالت إن أمي وأبي قد سافرا قبل قليل مع عمي حسن، وطلبت مني أن أخرج بسرعة لأن وليد سيأتي لأخذنا!

بمجرد أن سمعت اسمه، خفق قلبي بشدة. دخلت إلى الامتحان وقد تشتّت تركيزي تمامًا. بعد انتهاء الجلسة، عدت إلى المنزل، فوجدت نرجس قد أقفلت الباب ووضعت الحقائب خارجه.

قلت بتذمّر: "يعني لن أستحمّ معكم؟"

قالت: "ملابسك النظيفة جاهزة في الخارج، استحمي في الحمام الخارجي، وشنطتك أيضًا جاهزة."

اعترضت: "لا! أريد أن أستحم في الداخل، وهذه الملابس لا تعجبني أصلًا!"

صرخت بي: "نووور، كفى عن تصرفاتك هذه، وليد سيصل الآن!"

وبالفعل، بعد لحظات سمعت صوت البوق في الخارج.

قالت: "ها قد وصل وأنت ما زلت تتدللين، أسرعي إلى الحمام!"

دخلت للاستحمام وأنا أبطئ عمدًا، لا أدري لماذا...

ما إن خرجت حتى جذبتني نرجس وهي توبخني وتجرّني إلى السيارة، فوجدت وليد في المقعد الأمامي، وبجانبه ولاء. جلست أنا ونرجس وبدأنا نتشاجر كالعادة.

قلت: "يعني على راحتكم! تركتموني وانتظرتم ساعة!"

قالت نرجس: "لقد قلت لكم انتظروني! وبالمناسبة، كنت مصابة بحمى، ألا يجب أن أستحمّ؟!"

رفعت نرجس يدها مهددة بصفعي، وولاء كانت تضحك بصوت منخفض...

قلت بهدوء: "آسفة... أنا التي تأخرت، لا ذنب لنرجس."

سكتُّ بعدها، وألصقت وجهي بالنافذة. نرجس قرصتني وهمست: "أين ذهبت صراخاتك؟ ما بالك صامتة؟"

احمر وجهي، ووضعت سماعاتي، وشردت مع الأغنية... ظللت شاردة حتى شعرت بوليد يلتفت نحوي كثيرًا، ثم سألني:

"أين سرحتِ يا فتاة؟"

قلت: "لا شيء."

قال: "كنت أريد أن أسألك، هل تحتاجين شيئًا من المتجر؟"

  • "لا."

  • "متأكدة؟"

  • "هممم..."

نزل، ثم عاد بعد قليل حاملًا عصائر، وشيبس، وشوكولاتة، ومصاصة واحدة فقط...

بمجرد أن رأيتها في الكيس، رميتها في وجه نرجس وقلت: "أظن هذه لك!"

رمتها نرجس لي مرة أخرى، وقالت وهي تبتسم وتغمز: "لي أنا؟! حقًا؟" واقتربت مني وهمست: "رأيتك بالمناسبة ذاك اليوم..."

  • "آهااا، كنتِ تتجسسين عليّ إذًا؟!"

= "عادي، أليست تلك أنتِ من كانت تتجسّس عليه من خلال شق النافذة؟ تظنين أنني لم أعرف؟"

  • "أنتِ وقحة!"

نظرت فوجدت وليد يراقب الحوار رغم أن صوتنا كان منخفضًا. وضعت سماعاتي مجددًا وأدرت وجهي نحو النافذة...


نوّارة 《06》

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖

وصلنا إلى بيت عمتي حنان، فوجدنا عمي حاتم جالسًا في ساحة الدار مع جدتي وعمتي حنان. وما إن رآني حتى بدأ يصفّق ويغني قائلًا: "عااااد نوووورة!" وبما أنني لا أقاوم الحماس، بدأت أرقص أمامه، فناولني فورًا غطاء الحفاظة من جانبه وأكمل الغناء، فتحولت اللحظة إلى حفلة صغيرة.

بعد قليل، جاء أحد أقاربنا وبدأ يزغرد على طريقته، ثم التفت إليّ قائلاً:
"نوور شخصيًا معانا الليلة! والله لا أُزفّ بك!"
فقلت له ضاحكة بخجل:
"اخجل يا ولد! أي تزفّ بي!؟"

ثم بدأ عمي حاتم يغني بصوته العالي:
"وَدااا سيد الدبووورة.. دا سيد الدبورة جااا!"
فالتفتُّ خلفي، وإذا بوليد واقف ممسكًا بيده بشدة، ينظر إلينا. اقترب من عمي حاتم، فقال له عمي مازحًا:
"العرييس!"
فأجابه وليد بهدوء:
"عقبالك يا ولي!"
ثم رمقني بنظرة وصمت، وتوجه إلى ساحة الرجال، بينما ذهبت أنا إلى ساحة النساء، وانشغلنا بالتحيات وترتيبات العرس، ولم أره مجددًا طوال اليوم.

في اليوم التالي، عند العصر، كنت أكنس ساحة المنزل، فرأيت شهد واقفة عند عتبة المطبخ، واقفة على أطراف أصابعها تنظر باتجاه ساحة الرجال.
قلت لها مازحة:
"قبضتك!"
فأجابت بفزع:
"أوف يا نور! أفزعتني!"

  • "إلى أين تنظرين؟"
    كنت أخشى أن تكون تراقب وليد...

فأشارت إلى مجموعة من الشباب الجالسين، وكان وليد من بينهم.
سألتها بتردد:
"تقصدين وليد؟"
فأجابت مسرعة وهي تلوّح بيدها:
"لا لا! وليد شنو؟ انظري إلى الثالث على اليمين، الذي يرتدي الأسود."
فنظرت فرأيت شابًا وسيماً، ممسكًا بهاتفه، يشاركهم الحديث أحيانًا.
سألتها:
"هاه، ما به؟"
فقالت بخجل وهي تغطي وجهها:
"أعجبني... هذا صديق أخي محمد، كان في السعودية، وعاد قبل أيام. وبيني وبينك، أشعر أن عينه علي! أعتقد أنه يحبني يا نور!"
نظرت إليها متفاجئة وسألتها:
"ووووليد؟! صرفتِ النظر عنه أم أنكِ تتوهمين فقط؟"
فأجابت بصدق:
"يا فتاة، وليد لا يحبني! وهل يُنتزع الحب بالقوة؟ ثم إنك محقة، لماذا أضع نفسي ضمن اختيارات شخص، بينما قد أكون الخيار الوحيد لشخصٍ آخر يرى قيمتي ويختارني لأجلي؟"
قالت ذلك وهي تنظر إلى الشاب بإعجاب وعيونها تتلألأ.

ثم تابعت:
"أريد أن أُحب وأُحَب، وأعيش مع شخص أثق في حبه لي، وأطمئن إلى أنه مهما تغيرت الأيام سيبقى يحبني لأني أنا، ولأنه يريدني أنا. أريد حياة مليئة بالحب والاستقرار، وأشعر أنني سأجدها مع معتز!"
صفعتها بخفة على يدها وقلت ممازحة:
"يا سلام! وعرفتِ اسمه كمان! طلعتي جادة يا بنت!"
ضحكت بخجل وهي لا تزال تنظر إليه، أما أنا، فغرقت في أفكاري... ولم يخطر في بالي في تلك اللحظة سوى وليد.

جاء يوم العرس ولم أرَ وليد منذ الصباح، حتى قبيل المغرب حين قالوا إنهم ذاهبون لإحضار العروس.
قالت عمتي لعمّي حاتم: "كلّم وليد ليأخذك، وخذ معك هؤلاء البنات."
ركضت شهد وشروق فورًا نحو السيارة، فالتفتت إليّ عمتي وقالت:
"اذهبي معهم يا نور."
فأجبتها: "السيارة ممتلئة، لن تسعنا جميعًا." وهربت قبل أن تُطيل الحديث معي.
ذهبت وجلست قليلًا مع نرجس وولاء اللتين كانتا لا تزالان تتجهزان، وبعد انتهائهن من وضع المكياج، وبينما كنّ في طريقهن للخروج، نظرتا إليّ في صمت مفاجئ.

فقلت مستنكرة:
"لماذا تنظرن إليّ هكذا؟ خير؟"
فجأة قفزت نرجس نحوي وثبّتت رأسي، وبدأت ولاء بمحاولة تزييني بالمكياج. حاولت الإفلات منهما لكن دون جدوى.
صرخت: "دعوني وشأني!"
فقالت ولاء وهي تضحك:
"مستحيل! فقط قليل من أحمر الشفاه السحري على فمك المجلبط! كأنك أكلت زلابية!"
قلت لها متضايقة:
"لا أحب المكياج الثقيل!"
ردّت ساخرة:
"وأين هو المكياج الثقيل؟ اثبتي فقط وإلا سأشوّه وجهك!"
استسلمت لها وأنا أتمتم باعتراض، وجاءت نرجس تفك شعري وتربطه على شكل ذيل حصان.
قلت معترضة:
"والله لن أفك شعري ولو متُّ!"
فقالت:
"شعرك جميل يا نور! ثم إن الرجال يجلسون بعيدًا عنا، فلا اختلاط."
تنهّدت وقلت:
"أوف منكما!"
لكنني رضخت لهما حتى قالت ولاء: "انتهيت!"
وقفت أنظر إلى نفسي في المرآة وانبهرت حقًا؛ يد ولاء مبدعة في المكياج وتُبرز الملامح بشكل رائع.
ضربتني على يدي مازحة وقالت:
"أعجبتك نفسك، أيتها المتكبّرة! من أول لحظة وأنتِ منبهرة!"
ثم أردفت:
"يبدو أن العرسان قد وصلوا."

كان هناك خيمة ضخمة نُصبت في الساحة، والناس كثيرة للغاية. بعد قليل دخلت سيارة العرسان، ونزل عمّي حاتم مع عروسه التي كانت في غاية الجمال، وكان يبدو عليه الفرح الشديد.
نزل وليد خلفهما، وما إن وقعت عيناي عليه حتى شعرت بأن قلبي انقبض فجأة.
انشغل الناس بالعرسان، بينما راقبت وليد وهو يسحب كرسيًا ويجلس إلى جوار بعض كبار السن، سلّم عليهم بأدب وبشاشة، وجلس يتحدث معهم.
وليد لم يكن يحب الحفلات أبدًا، وإن اضطر لحضور إحداها، سرعان ما يبتعد ويجلس وحيدًا.

ذهبت لأبارك للعروسين، وما إن بدأت الأغاني حتى لم أتمالك نفسي، وبدأنا جميعًا نرقص.
فجأة وقعت عيناي عليه، كان ينظر إليّ، لكن هذه المرة رأيت في عينيه حبًا لم أره من قبل.
كنت أعلم أنه يحدّق بي دائمًا، لكن هذه النظرة كانت مليئة بالحب لدرجة لم أتخيلها.
تذكرت كلام ولاء عنه وعن حبه لي، وقلت في نفسي: "كيف لم أرَ كل هذا الحب من قبل؟!"
شعرت بالخجل الشديد، ودخلت وسط الدائرة التي شكّلتها البنات حتى أختبئ منه وأتمكّن من الرقص بحرّية.

مع نهاية الحفلة، دخلت المنزل لأجلب بعض الماء، فوجدت وليد ومعه أحد أقاربنا جالسين في الفناء.
ترددت، هل أواصل طريقي أم أعود؟ لكنني فكرت أنه يجلس مع أحد، فلن يترُكه ويأتي إليّ، فتابعت طريقي.
دخلت المطبخ، سكبت الماء ووقفت أشرب، وفجأة سمعت صوته يقول:
"يعني لو وافقتِ، كنا سنكون نحن في مكانهم الآن!"
وضعت الكوب، وواصلت طريقي متجاهلة، لكنه ناداني مجددًا وقال:
"أنا مسافر إلى اليمن."
شهقت حتى شعرت بأن صدري قد انشق من قوة الصدمة.
التفتُّ إليه وقلت:
"يعني..."
فقاطعني وهو يومئ برأسه:
"يعني حرب، أسلحة، مسدسات، وكل شيء... نعم!"
صرخت:
"لماذا؟ لماذا تفعل هذا بنفسك؟ هل يئست إلى هذه الدرجة؟!"
هزّ كتفيه بلا مبالاة وقال:
"لم يبقَ لي ما أخسره."
ثم نظر في عينيّ وتابع:
"أنتِ الشيء الوحيد الذي كنت أخاف أن أخسره... وقد خسرته."

هجمت عليه بكل قوتي، بدأت أضربه على صدره وأنا أصرخ:
"أنت لم تعتبرني يومًا لك، حتى تخسرني!
كل مرة كنت تُعلّقني بك أكثر، ثم تعود لتتركني!
علّقتني بك منذ الطفولة، لم أعرف الحب إلا معك!
ثم تركتني، وتجاهلتني كأنك لا تعرفني!
والآن... الآن تعيد نفس ما فعلته سابقًا لتكسرني مجددًا، أليس كذلك؟!
قل لي لماذا تفعل ذلك؟!"

كنت أضربه بقوة، وهو يحاول تهدئتي، إلى أن أمسك يديّ بقوة وقال بصوت عالٍ:
"نوور!"
سكتُّ، وبدأت أبكي، فظل ممسكًا بيديّ وسكت قليلًا، ثم قال بصوت مخنوق:
"وأنا أيضًا لم أعرف الحب إلا معك.
ربما لم أكن أعرف كيف أُعبّر، أو حاولت كبت مشاعري لأنك كنتِ صغيرة، وكنت أخاف أن تكون هذه مشاعر مراهقة ستزول.
لكنها لم تزل... ولن تزول.
والآن أحاول جاهدًا أن أُعبّر لك، ولا أعرف كيف.
لا أعرف ماذا أقول، ولا كيف أُثبت لك...
لكنني لم أتوقف يومًا عن حبك يا نور...
حبك أضعفني كثيرًا!
كفى يا نور... ارحميني!"

اقترب مني أكثر وظل ممسكًا بيديّ، يحدّق في عينيّ بصمت...
وللحظة، اختفت جميع الأصوات من حولنا…
صوت الحفلة في الخارج، أحاديث الناس وضحكاتهم، صوت المياه وهي تقطر من الصنبور، صوت الأطفال وضحكهم، صوت الأشجار وهي تتحرك مع الرياح…
توقف كل شيء، وبقينا واقفين سويًا، أنا مشدودة إلى عينيه، حتى همس قائلًا:
"زحي يا نور! امشي!"

  • "هاه؟!"

  • "امشي من هنا... لهذا السبب كنت أتجاهلك، لأني خائف عليكِ مني!
    أنا ضعيف جدًا أمامك، يا نور، ضعيف جدًا!"
    مسح وجهه بيديه، وأدار ظهره قائلاً:
    "اذهبي يا نور!"

ركضت مغادرة، وقبل أن أبتعد، سمعت صوته يناديني…
وقفت دون أن ألتفت إليه…
فقال:
"إن كان لنا نصيب بالحلال… سنتلاقى."

دخلت غرفة شهد وجسدي يرتجف بالكامل…
معقول أن وليد يحبني إلى هذه الدرجة؟
كنت أعلم أنه يحبني، لكن لم أتخيّل أن حبه يصل إلى هذا الحد…
جلست أفكّر طويلًا حتى قاطعني صوت ضحكات البنات.
كانت شهد تقول:
"رأيتي كيف ضربها؟ تافهة مثل الجن!"
فقالت شروق:
"تستحق! أخوها حذرها أكثر من مرة ألا ترقص أمام الأولاد.
أعجبتني تصرّفاته!"
انتبهت ولاء لي وقالت:
"أين اختفيتِ؟ فاتتك الدراما!
ابنة الجيران قامت لترقص، فجاء أخوها وضربها أمام الجميع حتى غمرت بالدموع!"

  • "حقًا؟!" رددت وأنا لا أستطيع التفاعل معهم نهائيًا.

  • "ما بها هذه!" قالتها موجهة كلامها لنرجس،
    ثم تابعت وهي تسير نحو الخزانة:
    "أنا حجزت الحمام، لا تدخل إحداكن قبلي!"
    قالت شهد:
    "أما أنا، فقد جعت! ذاهبة لأتناول شيئًا."
    وخرجت شروق معها، بينما دخلت ولاء الحمام.

وبقيت أنا… ونرجس فقط.

– ما بكِ يا نور؟
ترددت قليلًا ثم قلت لها: لو أن شابًا قال لكِ "أنا ضعيف أمامك"، فماذا يعني ذلك؟

  • أوووه! ومن هذا عديم الأدب؟!
    رميتها بالمخدة وقلت لها: عديم الأدب في عينيكِ أنتِ! كُفي عن هذا الكلام...
    تجنبت المخدة ثم قالت لي: حسنًا، احكي لي كل ما حدث كي أستطيع أن أفسر ما يقصده.
    قصصت عليها كل ما قاله وليد، ثم صمتت قليلًا قبل أن تقول: كل هذا حدث معك ولم تخبريني؟!
    على فكرة يا نور، وليد يحبك بشدة، ويريدك بالحلال، ويخاف أن يخطئ معك... والخطأ ليس فقط ما تفكرين فيه، فحتى مسك اليد خطأ، ووقوفكما سويًا خطأ، ونظراتكما لبعضكما خطأ... نحن نتغافل عن هذه الأمور لكنها تبقى خطأ.
    وليد يريدك بالحلال، وكان يتجاهلك ليحافظ عليكِ، لأنه يراكِ غالية... تمسكي به بقوة، وكفي عن هذه التصرفات!
    تنهدت وقلت لها: لكن أمي قالت لي ألا أتراجع عن قراري، وأبي قال إن موضوعي مع وليد قد انتهى.
    – إذا اتفقتِ مع وليد، فسوف يقتنعان، ففي النهاية، سعادتكما تهمهما كثيرًا... (ضربت بكفيها على ركبتيها ونهضت)، لكن ما الذي يمنعكما من الاتفاق؟!
    وغادرت...

في اليوم التالي، استيقظنا لترتيب البيت من آثار الزفاف، لأننا سنسافر غدًا مباشرة.
في تلك الفترة، اقتربت كثيرًا من خالتي رحمة، وكنت أشعر بنظرات حسرة منها لم أتمكن من تفسيرها، فكرت أنها قد تكون حزينة عليّ، أو ربما أحدهم أخبرها بما جرى بيني وبين مازن.
أنا كنت متكتمة جدًا بشأن القصة، لكن أمي صديقتها، ومن المؤكد أنها أخبرتها، رغم أن الموضوع انتهى دون تفاصيل، حتى أمي وأبي لا يعرفان ما حدث بالضبط، فقط يعرفان أنه انتهى.

أثناء انشغالي بالترتيب، جاءتني شهد مسرعة:
– نور، نور!
وجرتني من يدي بعيدًا.

  • تمهلي، ستسقطينني على وجهي!
    أخرجت هاتفها وفتحت رسالة وهي تقفز فرحًا والهاتف يقفز معها!

  • اثبتي، دعيني أرى... نظرت إلى الشاشة فوجدت رسالة مكتوب فيها: "هل توافقين على الزواج بي يا شهد؟"
    نظرت إلى اسم المُرسل، فوجدته "عزة"!

  • عزة...؟!
    خطفت الهاتف مني وقالت: إنه معتز! يا إلهي، إن علم محمد (أخي) أنني أتواصل معه سيقتلني! (وأشارت إلى رقبتها)

  • وهل لن يقتلـك إن رأى أن "عزة" هي من أرسلت لكِ "هل توافقين على الزواج بي"؟! سيكتشف حينها من كنتِ تخفينه عنه.
    – يا نور، ركزي في المهم... معتز سيتزوجني! وسنسافر سويًا إلى السعودية.
    قال إن إجازته شارفت على الانتهاء، وسيطلبني من محمد، ثم يعود ليقيم الزفاف في إجازته القادمة.
    عانقتها بشدة وقلت لها: أنا سعيدة جدًا من أجلك يا شهد... رزقكِ الله بمن يستحقكِ، وأتم الله لكما على خير، وأبعد عنكما كل سوء.
    – آمين، آمين... ثم جرت لتراقب معتز مرة أخرى من خلف جدار المطبخ!

في المساء، تجمعنا جميعًا في فناء بيت عمتي لنشرب شاي المغرب. كان أغلب الضيوف قد غادروا، ولم يتبقَّ سوى الأقرباء.
أخبرهم وليد أنه سيسافر إلى اليمن،
فرفضوا جميعًا، وبدأوا يحاولون إقناعه بعدم الذهاب.
قال لهم: يا جماعة، الأمر ليس بيدي، الناس في العمل طلبوا مني ذلك... ثم إنني ذاهب في مهمة تأمين منشآت فقط، أي أن الأمر آمن!
قالت له جدتي: أمان ماذا! دعهم يؤمنون هناك بعيدًا عنا... يريدون أن يأخذوا ولدنا؟! ليأخذوا أحدهم بدلاً عنه... وما لك بهذه الوظيفة المليئة بالموت؟!
– يا حبوبة، الأمر ليس اختياري، إنها أوامر ويجب تنفيذها.

  • حسنًا، متى ستسافر؟
    – عندما يعود الفوج السابق، سنغادر، خلال أسبوعين على الأكثر.
    ضاقت الدنيا عليَّ، وحبست دموعي بصعوبة... لمحت نرجس تنظر إلي من بعيد، ثم اقتربت وقالت لي: نور، تعالي وابحثي معي عن هاتفي، لا أجده.
    قالت لها جدتي: دعي البنت تكمل شايها.
    – سنعود فورًا يا حبوبة!
    سحبتني ودخلنا إلى الداخل، ثم قالت لي: هذا الحديث عن السفر لن يتوقف، وأنتِ لن تتحملي سماعه، ابقي هنا!
    وفعلاً، كنت بحاجة للابتعاد، فاستلقيت وحاولت النوم، ونمت بصعوبة، وكان نومي متقطعًا، أستيقظ مرعوبة في كل مرة...

في الصباح، جهزنا حقائبنا واستعدينا للعودة...
عمي حسن أقلَّ أمي وأبي وخالتي رحمة بسيارته، وقال أبي إنني أنا ونرجس سنعود مع وليد وولاء.
ركبنا معهم، وأنا كنت متوترة طوال الطريق بسبب ما حدث بيني وبين وليد، وأيضًا بسبب كلام نرجس الذي أثر فيَّ بشدة، فكنت أتجنب النظر إلى وليد وأتظاهر بالانشغال، وكان هو أحيانًا يتحدث مع ولاء ونرجس، ومعظم الوقت صامت.

عندما وصلنا، نزلت من السيارة، فسمعت وليد يناديني: "نوارة!"
أغمضت عيني، وخفق قلبي بشدة حين ناداني باسمي الذي يحبّه...
نزلت ولاء وهي تجر نرجس، وقالت: لدي شيء أريد أن آخذه من نرجس.
– ما هو؟!
= ذلك... ما اسمه؟! قومي تعالي معي أريكِ إياه في الداخل...
نرجس فهمت قصدها أخيرًا، وذهبت معها وهما يتشاجران.
وقفت أراقبهما حتى قاطعني صوت وليد وهو يقول:
– لو عدتُ وطلبتكِ، هل ستوافقين؟!
شعرت أن قلبي خرج من مكانه حينها... كنت شديدة التوتر، أفرك يديّ وأتمتم، وهو كان يحدق في الشارع أمامه، ينتظر جوابي.

– هل ستوافقين يا نوارة؟!
تنهدت، وتخليت عن المكابرة، فقلت: موافقة يا وليد...
ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، ثم خفض رأسه ورفعه مجددًا وهو لا يزال مبتسمًا...
نظرت إليه ثم قلت: لكن أمي لن توافق، سيكون هناك ارتباك، فموافقتي جاءت متأخرة وفي وقت غير مناسب... ثم أبي... (توقفت فجأة) لا، اعتبر أنني لم أقل شيئًا، لا أريد المشاكل.
اقترب مني ليمسك يدي، ثم تراجع في اللحظة الأخيرة وقبض على يديه بقوة، ثم أدار وجهه ومسح وجهه بكفيه، ثم التفت إليّ وقال:
– نور... انسِي كل هؤلاء، ماذا تريدين أنتِ؟!
هؤلاء ليسوا سببًا كافيًا لرفضك، إلا إذا كنتِ تبحثين عن عذر... نحن نستطيع إقناعهم جميعًا، فقط قولي لي: هل تريدينني أم لا؟!
صمتُ برهة ثم هززت رأسي بالإيجاب...
تنفس الصعداء وجلس مرتاحًا وقد هدأت أعصابه، ثم قال: طالما أنكِ موافقة، فلا تقلقي بشأن شيء...
ورغم فرحتي بما حدث، إلا أنني كنت خائفة من ردة فعل أمي وأبي... خائفة أن لا تكتمل هذه الفرحة، فلم أستطع أن أفرح كالبقية...
هيأت نفسي لأي ردة فعل، ولأي موقف قد يحدث... هيأت نفسي للأسوأ.


نوّارة 《07》

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖

مرّ أسبوع تقريبًا منذ أن تحدث معي وليد، وكنت شديدة التوتر، أترقب في كل لحظة أن تفتح والدتي أو والدي الموضوع معي. حتى إنهما لاحظا توتري، وكانا يسألانني بين الحين والآخر: "ما بكِ؟"

وعندما لم يتحدث أحد، شعرت بالإحباط وقلت في نفسي: "يبدو أن حديث وليد لم يكن إلا لحظة عابرة!" ثم عاد إلى تجاهلي كما في السابق بعد أن شعر بأنني أصبحت له. كنت مكتئبة جدًا، وكأن الدنيا أُغلقت في وجهي، فأصبحت أفرغ غضبي في التنظيف. وبعد أن نظّفت المنزل بأكمله، بدأت أدخل وأخرج من الغرف بلا هدف، إلى أن دخلت المطبخ فوجدت نرجس ترتب المكان.

– "اتركي لي البوتاجاز"، قلتها وأنا أتناول الفوطة متجهة نحوه.

  • "لا لا، يبدو أن قطتك وضعت مولودًا هذه الأيام، وإلا لما اقتربتِ منه! نظفيه فقط، لقد انسكب عليه اللبن قبل قليل بعد أن قمتُ بتنظيفه، وأقسمت ألّا ألمسه مجددًا."

تجاهلتها، وبدأت أفرغ ضيقي كله في تنظيف البوتاجاز، فغسلت ونظفت بإصرار، بينما خرجت هي من المطبخ قائلة: "الله يريحني منكِ."

بعد قليل، عادت مسرعة وقالت لي:
– "هيهي، أسرعي! أقارب عمي حسن وصلوا... تعالي لنجهز لهم الإفطار!"

ارتبكت ورميت الفوطة من يدي وسألتها بقلق:
– "عمي حسن! من أتى معه؟!"

  • "خالتي رحمة و... فقط! من تظنين أيضًا؟ هيا، هيا!" أخذت مني الفوطة وأكملت التنظيف بسرعة، ثم بدأت تُحضّر الإفطار، ولحقت بها والدتي لتساعدها.

كنت في قمة التوتر، واقفة كالمسمّرة في مكاني، ووالدتي ونرجس تمران بي وكأنني غير موجودة، إلى أن دفعتني نرجس خارج المطبخ قائلة:
– "ما دمتِ لا تساعدين، فلا تضيقي علينا المكان!"
ثم همست في أذني:
– "لو كان هذا الإفطار من أجل وليد، لعملتِ بكل طاقتك يدًا ورِجلًا!"

خرجت وجلست تحت مظلة المطبخ أعض أظافري بتوتر، وعيناي على الصالون. استغربت وجود خالتي رحمة هناك، فهي عادةً تجلس في المطبخ أو في الصالة.
بعد قليل، دخلت ولاء بسرعة وهي تقول:
– "لقد جعت! هل أعددتن لي بطاطس مقلية؟"

نرجس ضربتها مازحة وقالت:
– "تقلى لك رأسك! اذهبي وساعدي تلك المرتبكة، ورتبن الطعام في الصينية."

جاءت ولاء وأمسكت بيدي قائلة:
– "كل هذا قلق؟! إن لم تكوني تعرفي ما يحدث، ماذا كنتِ ستفعلين؟!"

أحضرت ولاء ونرجس الصينية، ولحقت بهما بجك الماء والأكواب. وعندما دخلنا، كان أبي وعمي حسن يتحدثان بصوت مرتفع، يبدو أنهما يتجادلان كعادتهما في قصة قديمة.
كان والدي يقول:
– "يا رجل، أنا متأكد أنه لم يُحال إلى التقاعد! ذلك الشخص أصغر منك، لا تظنه في سنك!"
ورد عليه عمي:
– "بل هو أكبر منّا! كان يلعب معنا كرة القدم، أليس هو من كسر ساق حسين؟ أتتذكر؟"
= "لا، ذلك أخوه، ثم أنا متأكد أنه لا يزال في الخدمة. اسأل وليد، لعله يعرفه."

وليد!
حينها فقط انتبهت له، كان يتابع الحوار ويضحك، ثم قال:
– "لم ألتقِ به من قبل، لكنني سمعت عنه."

في تلك اللحظة، بدأت يداي ترتجفان وكادت الصينية تسقط من يدي. وضعتها بسرعة ورفعت نظري لوليد، الذي كان يبتسم وملامحه مرتاحة، عكس توتري الواضح. نظرت للجالسين، فوجدت والدي وعمي لا يزالان يتجادلان، ووالدتي تدعو خالتي رحمة لتقترب من الصينية. ثم رأيت نرجس تضحك بخفة، فاحمرّ وجهي كثيرًا وأشرت لها أن تصمت.

– "تعالي يا نورة واجلسي هنا"، أشارت لي خالتي رحمة للجلوس بجانبها، وما إن جلست حتى ضمّتني بقوة بلا سبب، ثم قالت:
– "كلي، كلي، لقد أنهكتك الجامعة!" وسحبت طبق البطاطس من أمام ولاء.

قالت ولاء:
– "ابنتك أنا أم هي؟ بدأت أشعر بالغيرة!"
– "اسكتي، هذه محبوبتنا جميعًا"، وردّت خالتي رحمة وهي تعود لاحتضاني.

أكلت بضع لقمات بصعوبة شديدة، وتوتري يتضاعف بين نظرات وليد، وحنان خالتي رحمة المفرط، وضحكات نرجس وولاء التي كانت تراقبني.
قمت سريعًا، فقالت لي خالتي رحمة وهي تمسك بيدي:
– "إلى أين؟ اجلسي!"
– "لقد شبعت، وأريد تحضير الشاي."

قالت خالتي:
– "الشاي لاحق لاحق يا ابنتي..." ثم التفتت إلى والدتي وقالت:
– "سهام، ابنتك هذه يجب أن نلحقها بخاتم!"
أشارت والدتي بيدها قائلة:
– "آه، وكأننا لا نعرفها!"

ذهبت إلى المطبخ قلقة، أحضرت الشاي بسرعة، وبعد قليل جاءت نرجس وولاء تحملان صينية الطعام، فقلت لهما:
– "خذوا الشاي معكما."
قالت ولاء:
– "ألن تأتي معنا؟"
سكتّ، ثم بعد لحظة قلت:
– "سآتي لاحقًا."

جلست في غرفتنا أرجّ ساقي بتوتر وأفكر: إن لم يكن قد أتى من أجلي، فلماذا جاء؟! وخالتي رحمة، ما بها اليوم؟ نعم، هي تحبني، لكن اليوم تبدو مبالغة، وكأنها تخفي شيئًا، أو تشعر بالذنب تجاهي وتريد أن تُصلح ما فات.
من شدة التوتر فتحت خزانتي وبدأت أرتبها بينما ذهني مشغول بالتفكير.

قطع أفكاري صوت نرجس تقول:
– "والدي يناديكِ."
– "قولي له أنني مشغولة!"
= "أقسم أنني لن أقول له إنك ترفضين المجيء!"
– "نرجس!"
= "إلى متى ستظلين تهربين؟ لا مفر، واجهي الأمر! كما يقولون: قتلوك ولا جوك جوك."

ذهبت، وجلست برهة ثم قررت أن أواجه الأمر كما قالت نرجس. وعندما دخلت، كان الجميع صامتًا وينتظرني، مما زاد توتري، فوقفت عند الباب.
قال لي والدي:
– "تعالي، لماذا واقفة هكذا؟"
سرت نحوهم بخطى بطيئة وجلست بجانبه وأنا أنظر إلى الأرض.

قال:
– "اسمعي يا نورة... وليد طلبك مجددًا، وأحضر أهله، وجاء يطلبك رسميًا، ما رأيك؟"

سكتّ قليلاً ثم خرج صوتي بصعوبة:
– "الرأي رأيك يا أبي."
ضحك والدي وقال:
– "هل أنا من سيتزوج؟!"
ضحك الجميع، بينما بقيت صامتة.

– "يا نورة، إن أردتِ رأيي، فهذا الشاب يحبك حقًا، ولو لم يكن كذلك لما عاد. وهو ابننا، تربى أمام أعيننا، وأثق به أكثر من نفسي."
ثم خفّض صوته وقال:
– "وأنا أعلم أنك أيضًا تحبينه... فماذا تقولين؟"

رفعت رأسي، ونظرت إلى الجميع. خالتي رحمة كانت تبتسم لي بشدة، نرجس وولاء متشابكتا الأيدي بترقب، أبي وعمي بدت على وجهيهما الراحة، ووليد كان ينظر إليّ ويهزّ ساقه توترًا. نظرت إلى أمي، فرأيتها تومئ برأسها وتغلق عينيها وكأنها تقول: "أنا موافقة، وافقي."

فخفضت رأسي وقلت:
– "موافقة."

صفق أبي بيديه وقال:
– "على بركة الله!"
ابتسمت أمي، وقفزت نرجس وولاء على عنقي.
قالت خالتي رحمة:
– "هيي، لا تقتلوا زوجة ولدي! دعوني أبارك لها"، ثم ضمّتني وقالت بصوت منخفض:
– "يا بنتي، لو منعته من الزواج بك، لجنّ جنوني عليه!"

نظرت إلى وليد، فوجدته يتنفس بارتياح ويتكئ إلى الخلف واضعًا يديه على وجهه. بقي كذلك فترة، ثم أنزل يديه، عدّل جلسته، وقال لوالدي:
– "لو سمحت، يا عمي... لدي طلب."
– "تفضل، يا ولدي."
= "أريد أن نعقد قراني... الليلة!"

صُدم الجميع، وقالت أمي:
– "نعقد الليلة؟! وكيف؟! لم نستعد، ولم نُخبر أحدًا! سيقول الناس عنيبة، أو بها علّة!"
قال والدي:
– "يا بني، لم العجلة؟ إن كانت البنت لك، فقد أعطيناك إياها. ثم، أتريد الزواج قبل أخيك الكبير؟"
= "يا عمي، لا أريد أن أخسرها. أفهموني... أريد أن أضمن أنها لي قبل سفري!"

كان يتحدث وعيناه مليئتان بالرجاء، ثم تابع:
– "يا أبي! قل شيئًا..."

سكت والده قليلاً، ثم قال:
– "أعطونا يومين نستعد، بالكاد انتهينا من زفاف حاتم."
وقف وليد وقال:
– "تم... بعد يومين!"

قال له أبي بارتباك:
– "يا ولدي، كان يقصد مجازًا! لم يكن يقصد يومين فعليًا!"
= "بعد يومين فقط... نعقد عقدًا بسيطًا، وندعو أقرب الأقارب."

ثم غادر.

نظرت إلى والدتي، فكانت تضع يدها على خدها وتحدّق في خالتي رحمة، وقالت:
– "ما هذا الكلام؟!"

وبالفعل، كان العقد بعد يومين. قلب وليد البيت رأسًا على عقب! أشعل الحركة في كل الأرجاء، وأدخل أمي وخالتي رحمة في جدال لا ينتهي، يتشاوران: ماذا يفعلن وماذا يتركن، ومن يجب دعوته ومن لا. واتصل بالأقارب ليُلحقوا بالترتيبات. الرجال خرجوا لشراء المستلزمات، أما نرجس وولاء فقد تخصصتا بي! لم تتركا وصفة متداولة إلا وجربتاها عليّ.

في العصر، جاءت خالتي وزوجة خالي واستلماني من أول وهلة بالمشروبات والمغذيات. خالتي كانت تجلب لي كل لحظة كوبًا من المديدة وتقول: "هاكِ، اشربي هذا، يقوي البدن!" وما إن أشربه حتى تنظر إليّ وتسأل خالتي غادة، زوجة خالي: – "هل ظهر مفعوله؟" فتجيبها غادة: – "لا، لا، اصبري، سأخلط لها كِسرة بالطحينية!" – "خالتي، بالله عليكِ، ارحميني! ما هذه الكِسرة والطحينية!" = "اسكتي! كان عليكِ أن تجهزي نفسك لهذا اليوم وتربي لك بعض الشحوم بدل أن نُسمنك في آخر لحظة. خذي هذا طبق الشعيرية، وإن تركتِ فيه شعرة واحدة، سأملؤه لكِ مرة أخرى!"

ثم خرجوا وتركوني تحت رقابة نرجس وولاء، اللتين انشغلتا بتجهيز الفساتين والإكسسوارات، تتفقدان ما ينقص. ظلتا تتحدثان وتدخلان وتخرجان، وأنا لم أعد أعلم ماذا أفعل! قلبت خالتي وأمي البيت رأسًا على عقب، ولم تناما حتى وقت متأخر. أما أنا، فظللت أتقلب في فراشي حتى الفجر، ثم غفوت.

استيقظت قرب الظهر على أصوات شهد وشروق وسلامهن المليء بالصراخ. شهد سحبت الغطاء عني وقالت: – "العروووس! هل تنام العروس؟!" – "لماذا؟ هل جاء العريس أم عزرائيل؟" = "حقًا! كم أنتِ سخيفة! المهم أننا جميعًا هنا، حتى خالتي فاطمة جاءت مع أولادها، وخالي حسين قادم عصرًا."

كانت تتحدث بحماسة شديدة، تعدّ على أصابعها، ثم صَفَّقت قائلة: – "وكلنا سعداء جدًا، والله!" اقتربت مني وقالت: – "عُقبالي أنا وعزو!"

ثم دخلت عمتي حنان بحماس، زغردت بأعلى صوتها، واحتضنتني بقوة، ثم أمسكت وجهي قائلة: – "الصغيرة كبرت وأصبحت عروسًا! مبروك يا ابنتي، الله يتمم لكِ على خير."

نظرت إليّ لحظة، ثم كأنها تذكّرت شيئًا، فصاحت: – "شهد! أسرعي، أحضري الكيس الذي قلت لك عليه!" ثم التفتت إليّ وقالت: – "أقسمت أن يكون فستان عقدك من نصيبي! فأنت ابنة الغالي."

دخلت عمتي فاطمة وقالت ممازحة: – "وأنتِ زوجة الغالي أيضًا!" ثم ضحكت وسلمت عليّ وباركت لي.

عمتي فاطمة لا نراها كثيرًا، رغم أنها تسكن بجوار عمتي حنان، لكنها لا تزور الخرطوم كثيرًا وليست من هواة المجاملات.

حضرت شهد بالكيس، فأخرجت عمتي حنان فستانين: أحدهما ذهبي مزخرف، بأكمام قصيرة وطويل، والآخر لونه خمري، مزين بالكريستال، بأكمام ثلاثة أرباع وطوله حتى منتصف الساق. رفعت كلاهما وقالت: – "كنت أنوي إحضار الذهبي، لكن الخمري أعجبني، فاشتريتهما معًا. ما رأيك؟! لكن قد لا يعجب وليد لأن طوله قصير."

قالت عمتي فاطمة إن الخمري يليق بلوني أكثر.

ظلوا في حيرة وجدل، وأنا في الوسط لا أعرف ماذا أختار. لكن وسط كل هذا، لم أكن أفكر في الفساتين، بل في شيء واحد: اجتماع العائلة وفرحتهم كانت عندي بالدنيا وما فيها. كنت أنظر إليهم بحب وهم يتحدثون بحماس، الجميع يتكلم في آن واحد. شعرت أن فرحتي ستكون منقوصة إن كان زواجي على حساب حزن أحدهم… كأن أتزوج وليد بينما شهد تحبه، أو إن لم تكن والدته راضية، أو إن لم يوافق والداي.

اغرورقت عيناي بالدموع، وهم يتجادلون حول الفساتين، حتى قالت عمتي حنان: – "نور، لم يعجبكِ شيء؟ لا تبكي، سنشتري غيرهما!" لم أستطع الكلام، فقط رميت نفسي في حضنها وقلت: – "شكرًا لكِ جدًا، أعجباني كثيرًا!"

ضحكت عمتي وقالت لأمي: – "سهااام، لقد خدعتِ وليد وأعطيتِه فتاة مدللة!" ثم ضربتني ضربة خفيفة وقالت: – "ألا تريدين أن تكبري يا فتاة؟" ضحكت أمي وقالت: – "دعيها تكبر هناك!"

ثم اقتربت مني وقالت: – "انهضي، استحمي وتعالي لتتناولي الفطور، فبعد ذلك ستأتي الحنّانة!"

الحنّانة! يعني أصبحتُ امرأة! سأتحنّى وأقوم بأمور النساء!

بعد الفطور، جاءت الحنّانة لترسم لي الحناء، ولم أكن أصدق أن هذه حنّة عقدي. شعرت كأنني في حلم.

– "أما انتهت حنّتك؟ نريد أن نتحنّى نحن أيضًا!" = "من أنتم؟!" – "نحن شلّة العوانس، من غيرنا؟!"

جلست ولاء وقالت لنرجس: – "شاهدي أختكِ الصغيرة أنجزت، وأنتِ ما زلتِ كما أنتِ!" نرجس وضعت يدها على خصرها وردت: – "وأين إنجازكِ أنتِ يا فتاة؟!"

واشتدن في نقاشهن حتى أصبتُ بالصداع، وظلت الحنّانة تعمل حتى العشاء، بعد أن تحنّت أغلب النساء.

وفي الصباح، أول ما فعلته أن نظرت إلى يديّ وقدميّ… نعم، لقد تحنّيت… يعني أنا عروس!

كان العقد بعد صلاة الجمعة. الناس يدخلون ويخرجون، والبيت في حركة لا تهدأ، بينما كنت وحدي، متوترة جدًا. حوالي الساعة العاشرة، جاءت نرجس وحشرت في فمي سندويشًا، وذهبت ولاء لتحضر أدوات المكياج.

– "نرجس، خذي السندويش، لا أستطيع أكله…" = "أوه، تريدين أن تعيشي الدور؟!" وأحضرت مكواة الشعر وقالت: – "كلي حتى لا تهبطي فجأة، نحن متعبات وليس لدينا طاقة لنحملك!"

قالت ولاء: – "حقًا، سنتركها ملقاة ونبحث عن أسرّة نرمي عليها ظهورنا، تعبنا!"

بعد قليل، جاءت شهد وشروق وباقي البنات، وتحولت الغرفة إلى صالون تجميل. وبعد أن انتهيت، لم أتعرف على نفسي! استقر رأينا على الفستان الخمري، ووضعت لي ولاء مكياجًا كثيفًا، لأول مرة في حياتي.

– "خففيه قليلًا، أرجوكِ!" = "أنتِ عروس يا غبية! متى ستتزينين بهذا الشكل مجددًا؟ عندما تموتين؟!"

استسلمت في النهاية. جاءت نرجس، سرّحت شعري، وألبستني إكسسوارات ناعمة. انتعلت الحذاء العالي، ووقفت أتأمل نفسي… لم أصدق، أنا عروس! عروس وليد!

فجأة سمعت صوت طلقة، وأردت الخروج، لكن البنات دخلن مسرعات: – "إلى أين؟! ابقي مكانكِ!" نرجس احتضنتني وهي تبكي، ولم أستطع حبس دموعي، فهي روحي وكل حياتي، ولا أحد لي سواها. بصعوبة فكتني، فجاءت أمي واحتضنتني، وقالت: – "كبرتِ يا نور، وأصبحتِ عروسًا! ربنا يسعدك يا ابنتي."

ثم جاءت خالتي رحمة، زغردت وهي تبكي: – "مبروك على ابني! مبروك له ولكِ يا عروسة!"

توالت التهاني من خالاتي وعمّاتي، حتى قالت ولاء بخجل: – "ارحمونا يا جماعة، دعوا العريس يبارك لعروسته!"

خرج الجميع، وعمّ الصمت، وشعرت برغبة في فتح النافذة والقفز من التوتر. بعد قليل، دخل وليد… كان يرتدي جلابية بيضاء، حلق شعره واعتنى بلحيته. كان وسيمًا جدًا، ولكن الأجمل من مظهره كانت ملامح الفرح على وجهه…

نظر إليّ بتأمل، وبين همسة خافتة وصوت ضعيف قال لي: "نوارة!"

لم أستوعب الموقف كغيري، فإذا به يعانقني بشدة كأنما يخشى أن أفلت من بين يديه... شعرت وكأنني أغوص داخل صدره، وقد ضغط رأسي على صدره بإحدى يديه، بينما الأخرى تحيط بخاصرتي. احتضنني طويلاً دون أن ينطق بكلمة، حتى شعرت بعد قليل أن قدميه لم تعد تقوى على حمله، فتراجع إلى الوراء وجلس على طرف السرير، ثم أجلسني على ساقيه، وما زال يضمني بقوة، واضعًا رأسه على كتفي، أستشعر أنفاسه على عنقي.

كان يمسكني كطفل متمسك بأمه، فلم أستطع الإفلات منه، وفي النهاية استسلمت. في تلك اللحظة تحديدًا، أدركت أن وليد يُعبّر بأفعاله أكثر مما يُجيد التعبير بالكلمات. لا أعلم كم من الوقت بقينا على تلك الحال، حتى سمعت صوت حركة خارج الغرفة، فقمت منه وأنا أشعر بالحرج... وكان هو كمن كان مخدَّرًا واستفاق فجأة.

قال بصوت ناعم:

  • نوارة...
    نظرت إليه بصمت،
    فأخذ كفّي وقبّله، ثم قال مبتسمًا:

  • مباركة عليّ!

أطرقت رأسي خجلًا، ولم أجد ما أردّ به.

  • نوارة..!

  • أنا غارق فيكِ...
    ثم غادر...

أقمنا حفلة صغيرة ضمّت أقرب الأقارب، وقررنا أن تكون الحفلة الكبرى يوم الزفاف. وبرغم بساطتها وعدم التحضير الكافي، كانت جميلة للغاية، مفعمة بالحب والفرح. كنا جميعًا سعداء، لا أحد حزين، وأجمل ما خرجتُ به من العرس كان رضا أهلي... ووليد، بالطبع!

رقصنا وفرحنا، ولأول مرة رأيت وليد يشاركنا الرقص! رغم أنه لم يكن بارعًا، لكن كان واضحًا أنه يحمل طاقة هائلة أراد أن يفرغها بأي طريقة!

في الليل، بعد انتهاء الحفل، تمددت على سريري وكأن سحابة من الفرح ترفعني عن الأرض. لم أكن حاضرة تمامًا، أتذكر وأستعيد أحداث اليومين الماضيين. لو قال لي أحد قبل أسبوع أنني سأصبح زوجة وليد، لما صدّقت أبدًا. فقط الفتيات اللواتي تزوّجن من أحببن سيفهمن مشاعري.

وفجأة، سمعت رنين هاتفي...

  • ألو؟
    = نوارة!

  • وليد..!
    = يا روح وقلـب وعينـي وحياتي وعُمري يا نوارة!

  • تمهّل، تمهّل... لست معتادة على هذا الكلام الجميل منك!
    = لا، بل عليكِ أن تعتادي... لأنكِ من الليلة لن تسمعي مني إلا أجمل الكلام!

دخلت نرجس الغرفة وقالت ممازحة: "ها قد بدأ الوسواس!"
رميتها بالوسادة وأكملت حديثي مع وليد، تحدثنا طويلًا حتى قبيل الفجر. أخبرني عن مشاعره، عن حبه لي، وعن كل شيء احتفظ به في قلبه. قصّ عليّ من اللحظة التي خفق فيها قلبه وحتى اللحظة التي أصبحت فيها عروسه.

في ذلك اليوم تحديدًا، تأكدت أن وليد يُجيد التعبير بالفعل أكثر من القول... لكنه كان يحاول أن يُغرقني بكلماته أيضًا، وكان مجتهدًا للغاية في أن يوصل ما في قلبه، رغم أن التعبير كان يخونه أحيانًا، لكنني كنت أفهمه.

كانت مكالمة رائعة، تمنيت ألا تنتهي أبدًا...

  • نوارة؟
    = نعم؟

  • أحبكِ جدًا جدًا...
    سكتُّ...

قال متعجبًا:

  • بعد كل هذا الكلام، ولا كلمة حلوة واحدة؟
    = أشعر بالخجل يا وليد...

  • آه... يكفيني أنكِ قلتِ "يا وليد"! تعلمين؟ أكثر ما أحبّه فيكِ هو خجلكِ هذا... إنه يذيبني. لكن لا بأس، سأنتظر حتى تقوليها لي!

بعد أن أغلقت معه، لم أستطع النوم أبدًا... بقيت حتى الصباح أبتسم وحدي، أتأمل نقوش الحناء، وأتذكر كلماته ليلة البارحة. كنت أطير من الفرح، ويومي كلّه كان مرتبكًا، لا أعرف نفسي... وطبعا، لم أنجُ من تعليقات أمي ونرجس.

بعد يومين... جاء وقت سفر وليد.

بقدر سعادتي في اليومين الماضيين، كنت الليلة حزينة ومكتئبة. دخل أبي عليّ في الغرفة وقال: "وليد يريد أن يودّعك."

ذهبتُ وأنا أشعر بصراع داخلي... جزء مني يود أن يراه ويودّعه ويحفظ ملامحه، وجزء آخر لا يستطيع الوقوف أمامه وهو راحل.

دخلت الغرفة والدموع تملأ عينيّ، وكان هو يرتدي زيه العسكري، واضعًا قبعته على الطاولة، منشغلًا بساعته. وما إن رآني حتى وقف، مبتسمًا... لكن ما إن قرأ ملامحي الحزينة حتى تغيّر وجهه ونظر إليّ مطولًا. استأذن والدي وتركنا وحدنا.

سحبني وليد من يدي كأنه يحاول تشتيت انتباهي وقال بحماس:

  • تعالي، انظري ماذا أحضرت لكِ!

رأيت أنه أحضر لي مصاصة كبيرة من تلك المعروضة في محلات الهدايا، شهقتُ من المفاجأة وقلت له:

  • أكيد نرجس أخبرتك! لقد رأيتها على "فيسبوك" وأعجبتني كثيرًا، وشاركتها عدة مرات ونكزت نرجس مليون مرة لتشتريها لي، لكنها بخلت! كنت أظنها واحدة كبيرة، ثم اكتشفت أنها تحتوي على حلويات صغيرة، فتظاهرت بالزعل!

نظرت إليه، فوجدته يضع يده على خده، يرمقني وهو يبتسم:

  • كمّلي... أنا مستمتع!

أحسست بالحرج وقلت وأنا أخفض رأسي:

  • أنا عندما أعتاد على شخص، أتحدث معه كثيرًا...

ضحك وقال:

  • تحدثي، أنا مستعد لأن أسمعك طَوال عمري...

بعد قليل، نظر إلى ساعته وقال:

  • مضطر للمغادرة الآن...

وقف يُرتب ثيابه وهو يقول:

  • ابقي بخير... و...

قاطع كلامه عندما رآني أبكي بحرقة، فأسرع إليّ، وأمسك وجهي بيديه، وقال:

  • ششش... لماذا؟ لا تبكي، أرجوك لا تفضحيني...

تمتمت بصعوبة:

  • لا ترحل...

تنهد وقال:

  • يجب أن أذهب... أريد أن أجمع الكثير من المال لنُكمل زفافنا، ونقيم عرسًا كبيرًا!
    فتح ذراعيه يصف الحلم...

  • لا أريد مالًا... لا أريد عرسًا... لا تذهب، هذه المرة ستذهب إلى مكان فيه سلاح وطائرات و...

قاطعني وهو يعانقني بشدة حتى انحبس نفسي، ثم قبّل رأسي، وألصق جبهته بجبهتي، ممسكًا بيدي، وقال برفق كأنه يُخاطب طفلة:

  • نوارة! اهدئي... سأذهب وسأعود! وسنكمل زفافنا، وسنُنجب الكثير من الأولاد والبنات... وسنكون أسعد زوجين في العالم! حسنًا؟!

سكتُّ...

  • حسنًا يا نُور!

هززت رأسي بصمت...

قال:

  • في أمان الله...

ارتدى قبعته، وقف أمامي، أدّى لي التحية... وأدار لي ظهره...

ورحل.

نوّارة 《08》

#☆الاخــــــــــــــــــــــــــــــــيرة☆

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖

مرّت سنة وثلاثة أشهر، لم يكن ليلي ليلًا، ولا نهاري نهارًا. بلغت من الحزن حدًا لا يُطاق، وكدت أفقد نفسي من شدة القهر، وقد غلبني الصبر. لم أكن أستطيع التواصل مع وليد بسبب سوء الشبكة في منطقتهم، بالكاد أسمع منه كلمتين ثم ينقطع الاتصال.

صرت أذهب كل يومين إلى بيت جدتي، متخيلةً أن وليد قد عاد فجأة ليفاجئني، لكن آمالي كانت تخيب دائمًا.
وفي أحد الأيام، كنت هناك عندما جاءت خالتي رحمة، صنعت القهوة وجلست بجانبي.

قالت:
– ألم يتصل بك وليد؟
= لا، آخر مكالمة كانت قبل يومين، شبكتهم سيئة جدًا، لا أسمع صوته بوضوح.
– سيئة للغاية… نسأل الله أن يعود إلينا سالمًا غانمًا.
= آمين...

اغتنمت لحظة الصفاء بيننا وقررت أن أسأل خالتي رحمة عن سبب رفضها لي سابقًا. حاولت أن أرتب كلماتي كي لا تسيء فهمي، فرغم أن الأمر انتهى وأصبحت زوجة وليد، إلا أن رغبة ملحة داخلي كانت تدفعني لمعرفة الحقيقة.

– خالتي رحمة، هل لي أن أسألك سؤالًا، لكن أرجوك لا تفهميني خطأ؟
= تفضلي، لا تخجلي.
– أعني... أنتِ لم تكوني تريديني لوليد، أليس كذلك؟ لماذا وافقتِ فجأة؟

تنهدت بتأثر ولم أكن أتخيل أنني سأواجهها بهذا السؤال، ثم قالت:
– يا ابنتي، وليد هو روحي وقطعة من قلبي. لا أخفيك، أحبه أكثر من إخوته. وأنتِ أيضًا، والله إني أحبك من أعماق قلبي. لكنني كنت أراكِ تصدين وليد، لا تتركينه يتحدث معك، وهو بطبعه حار الدم لا يسكت على الخطأ. كنت أرى حبه لك منذ صغره، وظننته حب مراهقة وسينتهي.
لكن حينما وجدتُ أنه ما زال يحبك بنفس الشدة، خفت عليه منك… خفت ألا تبادليه نفس المشاعر، وألا يعيش مرتاحًا، وكنت أرى بنات عمك يحببنه كثيرًا… لكنني كنت مخطئة.

أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
– تعلمين يا ابنتي، لو أنني ضغطت عليه ومنعته عنك، لكنت ظلمته وظلمت نفسي، وربما فقدته إلى الأبد! سامحيني يا ابنتي… ستصبحين أمًا يومًا ما، وستفهمين حينها ما قلته.

تفهمت كلام خالتي رحمة ولم أزعل منها، فهي أم، وأي أم كانت ستفعل أكثر من ذلك لحماية ابنها.

وفي المساء، عندما عدت إلى المنزل، وجدت امرأة من الجيران جالسة مع والدتي. سلّمت وجلست، وإذا بها تبدأ الثرثرة:

– يا ابنتي، أين زوجك؟ لا يكون قد طلقك؟
= طلقني؟! حاشاكِ… سافر إلى اليمن.
– أوه، تزوجتِ اليوم وسافر غدًا!
هممت بالرد لكن والدتي أمسكت بيدي كي لا أتكلم، وقالت لها:
– يا نهلة، سفره كان مقررًا قبل أن يعقد قرانه.
= تزوجتِ الغائب والمجهول! يا ابنتي، يقولون إن الموت هناك لا يُعد ولا يُحصى! أربعة أو خمسة مئة يموتون كل يوم!

ضايقني كلامها جدًا، ومن دون وعي وقفت وقلت لها:
– يكفي، اخرجي من هنا!

أمسكتني والدتي من كتفي وقالت لي:
– ادخلي إلى الداخل.

ثم ابتسمت للمرأة وقالت لها:
– لا تؤاخذينا، إنها خائفة على زوجها.

وقبل أن تذهب، نظرت إليّ من أعلى إلى أسفل وقالت:
– مستعجلة على الزواج! كان أفضل لو مات قبل أن يعقد عليك بدل أن تترملي في بداية حياتك!

لو لم تمسكني أمي تلك اللحظة، لكنت خنقتها بكل ما بداخلي من غضب. كلامها كان جارحًا جدًا، وأثر بي بشدة، حتى أغلقت على نفسي الغرفة ولم أعد أتحدث مع أحد، خائفة أن أسمع خبرًا سيئًا عن وليد، ولا أريد لأحد أن يكون حاملًا لهذا الخبر.

مرّت الأيام، وتخرجت من الجامعة. كنت أتوقع أن يعود وليد ويفاجئني، لكن حين فقدت الأمل، استلمت شهادتي فقط ورفضت التخرج مع الدفعة، رغم محاولات أهلي إقناعي… لم أشعر أن الظرف يسمح لي بالفرح.

يوماً بعد يوم، لا جديد. كل عدة أيام يتصل وليد، أسمع كلمتين وينقطع الاتصال. حياتي ظلت على حالها، بلا أي جديد.
سنة وثلاثة أشهر وأنا أعد الأيام لأراه، والأيام تمضي ببطء وقسوة…

في أحد الأيام، أرسلتني أمي لشراء بعض الأغراض من الشارع العام. الزحام كان خانقًا، وبعد معاناة جمعت ما أحتاج وعدت. وأنا في الطريق، لمحت سيارة وليد متوقفة أمام المنزل. جريت كالمجنونة، قلبي يخفق بشدة.
رأيت شخصًا يفتح باب السيارة الأمامي منحنٍ وكأنه يحمل شيئًا.
– وليد؟!
فرفع وائل رأسه، وخلع نظارته وقال لي:
ألا أفي بالغرض؟!
كدت أبكي حينها.
– أين وليد؟!
في جيبي…

– وائل، كفاك مزاحًا.
لا أدري، هل قال لكِ إنه قادم؟!
مضيت عنه دون رد، وصفقت الباب بعنف حتى ارتد وكاد يُغلق مجددًا. ثبّت وائل الباب بسرعة وقال ساخرًا:
– ألا تفضلينني؟! الله يعينك يا وليد… الله يعينك يا وليد...
ظل يردد اسمه بصوت مرتفع وهو ينظر نحو الصالون، وفجأة… خرج وليد من هناك!
نظرت إليه، ودموعي انهمرت كشلال. كنت أريد أن أرتمي في حضنه، لكن خجلت لأن والدي و وائل كانا واقفين. اقتربت منه وجسدي كله يرتعش. أردت لمسه لأتأكد أنه حي، واقف أمامي وليس حلمًا… ترددت كثيرًا، ثم أخيرًا مدتُ يدي، فأمسكها بسرعة وقبل رأسي.
قاطع اللحظة وائل قائلاً:
الله يعينك يا وليد… زوجتك شرسة! أغلقت الباب في وجهي حتى شجت جبيني! من سيتزوجني الآن؟ أعطوني نرجس!
قالت نرجس له:
– وماذا أفعل بك بقية عمري!
فقال أبي وهو يدخل:
– ما بك مع بناتي؟ لا أسمح لأحد بإيذائهن…
ثم دخل الجميع، وبقينا نحن. لم يكن لأي منا بالٌ لهم. انتظرنا حتى دخلوا، ثم وقف وليد أمامي، واحتضنني بشدة.
– وليد… أنت حي!
= أفوتك أنا يا نوارة؟! أنا لا أكون بدونك، وأنتِ لا تكونين بدوني…
– اشتقت إليك!
= يا سلام… دعيني أعود من جديد لعلّي أسمع منك شيئًا جميلاً آخر!
ضربته بخفة على صدره وقلت له:
– وليد… كف عن المزاح.
بعد أن جاء وليد، أقاموا لنا وليمة صغيرة على قدر الإمكانيات. فتأنّقت وارتديت ذلك الفستان وتلك الصندلة، وأتقنت وضع المكياج هذه المرة. لكن والدتي أمسكت بي عند الباب وقالت:
– إلى أين تظنين أنك ذاهبة أيتها الجميلة؟
إلى أين! إلى وليمة زوجي، قرة عيني.
= ارجعي إلى الداخل أيتها الخفيفة، من اليوم وصاعداً يجب أن تبقي محبوسة. وللعلم، ستجلسين في الدخان ورجلاكِ على عنقك! وليد منحنا أسبوعاً فقط، نشكره عليه. لا أعلم لمَ هو مستعجل على هذه "التافهة"!
أخذت أضرب قدمي في الأرض وأقول:
– يا أمي، فقط هذه المرة، أرجوكِ يا أمي!
= لااا، سأزيل نورتك أيتها المبدلة!
– دعيه يأخذها، هي أصلاً ليست موجودة!
بدأت أمي تلتفت حولها، فعرفت أنها تنوي أن تفعل شيئاً. وبالفعل، أخذت الخرطوم واتجهت نحوي، فهربت إلى باب الغرفة وأنا أصرخ غيظاً... أنا أشتاق له، ويمنعونني من رؤيته!
نرجس جاءت، أخذت حقيبتها من جانبي، وهي تغني:
– بقي لك سنّة واحدة وتطرقي الباب!
رميتها بالوسادة، فأمسكتها وقالت لي:
– ما بالك؟ أنا فقط أغني!
بعد أن خرجوا جميعاً، جلست وحدي أفكر، وقررت أن أخرج دون أن يراني أحد. ارتديت ثوب أمي وتنكّرت جيداً، وعندما وصلت إلى الباب، وجدت عليه ورقة مكتوب فيها: "ارجعي، لقد أغلقنا الباب من الخارج."
آااخ!
خلعت الثوب بضيق وعدت إلى الداخل وأنا أتمتم غضباً. قلت: هذا بالتأكيد من فعل نرجس! أخذت هاتفي واتصلت بها:
– ماذا لو نشب حريق؟ كيف أخرج؟!
= بسيطة، تُعتبَرين شهيدة، رحمكِ الله! ثم لو كنتِ قد درستِ العلوم، لعرفتِ أن الأبواب تُغلق بالضغط. يا فاشلة!
– اخرسي! اسمعي... هل رأيتِ وليد؟
= واااي يا نورة، يبدو أنه سيأكلك بنظراته! لو لم يكن أصغر مني، لكنت خطفته!
– يخطفوكِ من السوق، أيتها العفنة!
= ماذا تعنين بالسوق؟ لحظة، لحظة... يبدو أن وليد يبحث عنك!
– حسناً، أغلقي الخط!
وفعلاً، أغلقت، ثم اتصل بي وليد:
– نوارة!
وليد...
– أين أنتِ الليلة؟
أمي وضعتني في حبس انفرادي...
– كيف يعني؟!
حبس ما قبل الزفاف.
– يعني لن أراكِ؟
لا أعتقد...
– لكنني لم أشبع من رؤيتك بعد!
لا توجد طريقة يا وليد، سامحني... كيف حال الوليمة؟
– ينقصها فقط وجودك!
تحدثنا قليلاً، ثم أغلق الخط عندما نادوه، وانشغلت بأمر آخر إلى أن عاد والدي. دخل غرفتي وقال:
– وليد قال إنه يريد إكمال مراسم الزواج بعد أسبوعين، لكني أقنعته أن نؤجلها شهراً على الأقل. يكفي ما أنفقناه على العقد، لا نريد أن نبالغ في العرس.
دخلت أمي فوراً من الجهة الأخرى وقالت لي:
– من اليوم، لا أريد أن أرى رأسك خارج هذه الغرفة. قومي وأشعلي الحفرة!
اتسعت عيناي نحوها، وأشرت نحو أبي بعيني.
نظرت أمي إليه وقالت:
– إنه والدك، لم الخجل؟ قومي بسرعة!
مرت الأيام بسرعة، بين تحضيرات وتجهيز الشيلة. وبما أن ذوقي سيء – حسب قولهم – تركوا اختيار الشيلة لنرجس وولاء.
جاءت نرجس، فتحت الحقيبة ورقدت وهي تتنفس بتعب وقالت:
– يا لقدمي! قومي يا فتاة، انظري ماذا ينقصك.
– وكيف لي أن أعرف ما ينقصني؟!
ناولَتني ولاء ورقة وقالت:
– تفضلي، واقتطفت مني كوب العصير!
نظرت إلى الورقة وبدأت أقرأ: 6 أثواب!
– وأين أرتدي هذه الأثواب؟
على رأسك طبعاً!
– لا أعرف كيف أرتدي الأثواب أصلاً...
– لا تقلقي، جلبنا لكِ أثواباً بسيطة. وانظري إلى تلك الفساتين، كم هي رائعة!
بدأت أقلب في الملابس، وكانت فعلاً مذهلة وكثيرة جداً.
– من أين أتيتم بكل هذا المال؟
وليد قال: لا ينقص شيلتها حتى دبوس!
تفقدت الحقيبة فرأيت فساتين قصيرة جداً، فصرخت:
– ما هذا؟ كان يجب أن تختاروا شيئاً أطول!
= هذه اختارتها الحكومة بنفسها! هيا، هل ينقصك شيء؟
فعلاً، كما قالت نرجس، لم تكن هناك أي قطعة ناقصة. حضنت الحقيبة ووضعتها بجانبي كأنها ثوب العيد.
بعد قليل، اتصلت بوليد:
– وليد...
نعم، يا قلبي؟
– لمَ اشتريتَ كل هذه الأشياء؟ لست بحاجة لكل هذا.
نوارة، لو بيدي، لقلبت الدنيا لأجلك. أنتِ تستحقين كل جميل.
– لكنك أنفقت كل أموالك علينا...
وهل خرجت للعمل لشيء غير زواجنا؟ أريد زفافاً يليق بكِ، أريد أن أفرح... وأنا سعيد جداً يا نور.
سكتُّ، ولم أجد ما أقول بعد كلامه...
بعد عدة أيام، كان من المفترض أن نذهب لحجز فستان الزفاف. وليد كان مشغولاً، وكان من المفترض أن يوصلنا وائل. استعارت أمي نقاباً من الجيران وغطّتني بالكامل، ثم أوصت نرجس بألا أرفع النقاب.
وصل وائل، فركبت خلفه مع نرجس، وجلست ولاء في الأمام. فجأة جاء وليد ليسلم علينا. مدّ رأسه داخل السيارة، نظر إليّ طويلاً، ثم ذهب وأخذ المفتاح من وائل، وقرر أن يقود بنفسه.
– ما بالك يا وليد؟ ألم تقل إنك مشغول؟ أم لأن "حبيبة القلب" معنا؟
ولاء، اصمتي...
قالها وهو يفتح نوافذ السيارة.
– وليد، أغلق النوافذ، المكيف يعمل!
قلت لكِ اصمتي!
بقينا صامتين حتى وصلنا. قبل أن أنزل، أوقفني وليد:
– نوارة!
نعم؟
– الفستان، اختاريه طويلاً...
أومأت برأسي ومضيت، سعيدة بغيرته.
اخترنا فستاناً بعد ساعات، وعندما خرجنا، كان ينتظرنا في الخارج.
= وليد! نور اختارت فستان "أوف شولدر" وأكمامه شفافة جداً!
احمرّ وجه وليد حتى شعرت أن رأسي يغلي.
= فستاني طويل والله! وأكمامه طويلة ومحتشم! ولاء تكذب!
– لا تتدخلي بيني وبين نوارة!
= أعجبني غيرتك يا الحاسدة!
= أنا الحاسدة؟ أنتِ من خطفتِ أخي مني!
استمرت مشاداتي مع ولاء، وكان وليد يتابعنا وهو يبتسم فقط.
عندما كنت على وشك النزول، ناداني:
– نوارة!
نعم؟
– عندما تخرجي، اتصلي بي، سأوصلك بنفسي.
ثم مسح ذقنه وقال:
– رائحتك العطرة هذه...
حينها فقط أدركت أن رائحة "الدخان" كانت السبب في أنه لم يترك وائل يوصلنا، فخجلت كثيراً وهربت دون أن أودعه.
في الليلة التي سبقت العرس، اتصل بي وليد وتحدثنا طويلاً، ثم قال لي:
– عدي معي...
ماذا؟
= هذه آخر كوب شاي أشربه هنا من دونك، وآخر ليلة أنامها في سريري، وآخر ليلة في غرفتي... العد التنازلي بدأ، ولم تبقَ سوى ساعات وتصبحين في بيتي. ومن بعدها، لن يفرقنا سوى الموت.
أحبك يا وليد... أسأل الله ألا يحرمني منك.

في يوم الزفاف، استيقظتُ متوترة ومنهكة، بالكاد نمت ساعتين، أما باقي الليل فقضيتُه سهرًا بسبب القلق. انطلقنا إلى صالون التجميل منذ الصباح الباكر، إذ كان الزفاف نهاريًا. لم أستطع تناول شيء، كنت شاحبة وتائهة، والمزيّنة عانت كثيرًا معي.

بعد جولات من الدراما والتوتر، انتهيتُ من التجهيز، وبقيت بانتظار وليد. بعد قليل، اتصل بي وأخبرني أنه في طريقه، ومن هنا بدأت الفوضى... كنت أذهب إلى نرجس كل لحظة وأسألها:
"هل أبدو جميلة؟ هل سأعجبه؟"
فنظرت إليّ وقالت بضحكة ساخرة:
"اهدئي! لقد أحبك بشكلك البسيط، فهل تظنينه سيتراجع الآن؟"

لم يكن الوقت مناسبًا للرد عليها، لذا ابتلعتُ ردي بصمت.
وبعد لحظات، جاء وليد... كان وسيمًا على نحو لا يُصدّق! يرتدي بدلة سوداء وقميصًا أبيض وربطة عنق كحلية، يزينها ورد مطابق لزهوري. مع تسريحة الشعر واللحية المرتبة، بدا كأميرٍ من قصص الخيال. نظرت إليه وقلت في نفسي:
"معقول هذا زوجي؟ أأنا بهذه الحظوة؟"
وقف أمامي، أمسك بيدي، قبّل جبيني واقترب وهمس: – "لماذا أنتِ جميلة هكذا؟ في يومٍ ما، ستقتليني بجمالك!"

"وليد... لا تُحرجني..." واحمرّ وجهي خجلًا. – "انظري إليّ."
... – "نور!"
"قل نوارة... نادني نوارة." – "حسنًا، نوارة... انظري إليّ."
"ها أنا ذا." – "أحبك."
"وليد، يا لك من..." – "اخجلي، حسنًا؟ دعينا نرَ كيف ستهربين مني لاحقًا!"
"وليد!"
ركبت معه السيارة، وكان وائل يقود، بارك لنا ثم جلست نرجس بجانبنا في المقعد الأمامي. وليد أمسك يدي طوال الطريق وكأنه يخشى أن أضيع، وكان يهمس لي أحيانًا، لكنني من شدة الخجل لم أتمكن من سماع أي شيء.
حين وصلنا، رفعتُ عيني فرأيت القاعة مكتظة بالمدعوين. شعرت برهبة شديدة وتشبثت بوليد. شغّلوا أغنية الزفّة وكانت "حصّنواها بيس" بصوت إنصاف مدني، رغم أننا اتفقنا مسبقًا أننا لا نريد رقصة الزفاف.
وفي طريقنا إلى المنصة، همس لي وليد: – "هل تحصّنتِ؟"
"أوه! نسيت!" = "يا إلهي، كنت أعلم أنك ستنسين."
"كان يمكنك أن تحصّنني!" = "كيف أحصّنك أنا؟!"
"ببساطة!" = "يا رب صبرك! المهم، أحضرت لكِ كمون، سأخفيه لكِ في الفستان عندما نصل إلى الكوشة."
قلت:
"كيف سأفعل ذلك أمام الناس؟!" = "تصرّفي يا نور!"
"حسنًا يا وليد." = "يحفظك الله."
الناس كانوا يظنون أننا نتمتم بكلمات حب، بينما كنا نتحاور بهذه الطريقة! بعد قليل، تجمّع الحضور ليباركوا لنا.
رأيت والدة أروى، لكنها هي نفسها لم تأتِ، ربما كانت منزعجة، لكن في النهاية هي مخطوبة وأتمنى لها السعادة.
كانت الحفلة بصوت محمد بشير، وكانت رائعة، لا أحد بقي جالسًا. لطالما تمنيت أن يكون زفافي معه، وقد تحقق كل شيء بفضل وليد. كان مرتاحًا هذه المرة، ليس كما في حفل العقد، ويبدو أن أصدقاءه العسكريين حضروا، مما أسعده.
رقصنا وفرحنا، ثم حان وقت الجرتق. ذهبت لأغيّر إلى ثوب الجرتق وكنت شديدة الجوع. أحضرت لي ولاء سندويشًا، وأصبحت أضع الطعام في خدّي كأنني طفلة، بينما كانت نرجس وولاء تساعدانني في ارتداء الفستان.
بعد أن جهّزوني، وضعت المزيّنة القرمصيص، وأنا ما زلت أمضغ الطعام: – "ابتلعي بسرعة! لا تسببي لزوجك سكتة قلبية!"
"جائعة! ماذا أفعل؟ أعطني بعض البطاطس!" – "فاتحة شهيتك أيضًا؟! كأننا في بيت والدنا!"
كنا نتجادل أنا ونرجس وفمي مليء بالطعام، وفجأة، التففنا لنجد وليد أمامنا. شعرت بإحراج شديد، حاولت ابتلاع لقمة كانت ترفض الانزلاق، فأشار لي بالتريث، ثم مدّ لي زجاجة ماء، وشربت.
مسح عني أثر الماء برفق، ثم أنزل القرمصيص، مدّ يده وقال: – "هل نذهب؟"
في تلك اللحظة شعرت أنني طفلته أكثر من كوني زوجته. اهتمامه بأدق التفاصيل جعلني أشعر بالأمان معه.
بعد انتهاء مراسم الجرتق، ودّعت أهلي وسط بكاء شديد. أنا ونرجس لم نفترق أبدًا، والآن سأغادر! حتى أمي وأبي لم أعتد البعد عنهما.
في الطريق، قال وليد: – "إن أردتِ العودة إليهم، سأعيدك!" = "يا رجل!" – "هممم..."
أوصلنا وائل إلى مزرعة جميلة، خضراء، فيها ساقية وجداول مياه، ومبنى صغير راقٍ وبجانبه أرجوحة. كان المكان شاعريًا للغاية.
قلت:
"وليد، هذا المكان رائع!" = "لكنّكِ أروع!"
دخلنا، كان البيت يحتوي على غرفتين، حمام ومطبخ. وبينما كنت أتلفّت حولي، أغلق وليد الباب، واقترب مني.
– "ما بكِ؟"
"لا شيء!" – "وليد!"
"ماذا بك؟!"
اقترب حتى ألصقني بالحائط، وأحاطني بذراعيه: – "ابتعد عني، وليد!"
"أرفض!" – "سأتصل بخالتي رحمة!"
"اتصلي!" – "سأقول لها إن ابنها عديم الأدب!"
"اتصلي، قلت لكِ!"
اقترب أكثر، فغطّيت وجهي خجلًا: – "ستتظاهرين بالخجل الآن؟! لقد عانقتك ثلاث مرات!"
"لكننا لم نكن وحدنا... والآن... نحن وحدنا..."
همس لي:
"نوارة..." – "نعم؟"
"تعالي، أريد أن أهمس في أذنك!" – "وليد!!"
وسحبني إليه قبل أن أستوعب ما يحدث!
في الصباح، استيقظت فوجدت رأسي على صدره، وكان لا يزال نائمًا. رفعت رأسي وبدأت بتحقيق حلمٍ قرأته في الروايات... مرّرت أصابعي على حاجبيه، عينيه، خدّيه، حتى وصلت لحيته التي لطالما رغبت بلمسها... وما إن بدأت ألمسها حتى أمسك يدي وقبّلها.
أعطيته ظهري خجلًا، فشدّني إليه: – "إلى أين تذهبين؟"
"ذاهبة... لتحضير الشاي!" – "ابقي! سأقوم بكل شيء... فقط ابقي بجانبي."
التفت إليه، لم أستطع تحمل كمية المشاعر التي غمرتني.
"لماذا تحبني بهذا الشكل؟" – "لأنكِ تستحقين... لو كان لي مئة قلب لأحببتك بها جميعًا!"
"أنا أحبك كثيرًا."
قبّل يدي وقال: – "لماذا أنتِ جميلة هكذا؟"
"لأنك تحبني... وكلما أحببتني أكثر، أصبحت أجمل." – "إذا، لن تتوقفي عن أن تكوني جميلة... لا أدري إن كان قلبي سيتحمّل هذا الجمال بعد الآن!"

مرت الأيام، ولا أقول إن شهر العسل انتهى، لأن حياتي كلها معه كانت عسلًا. إلى اليوم، يعاملني وكأننا ما زلنا عروسين، لم يتغير أبدًا. بسبب حبه واهتمامه، كنت مستعدة لفعل أي شيء لإسعاده.
استقرّينا في بيت جدّته، حيث لنا شقة في الطابق العلوي، لأنه كثيرًا ما يُرسل في مهام عسكرية، ويودّ أن أكون بين أهله. خالته رحمة التي رفضتني في البداية أصبحت تحبني بشدة بعدما رأت اهتمامي بولدها، وسعادتنا معًا.
واجهتنا مشكلات وضغوط، لكنها لم تفرّق بيننا، بل زادتنا قربًا.
بعد سنة وشهر تقريبًا، بدأت أشعر بأعراض حمل. أخبرت خالته رحمة ولم أخبر وليد حتى أتأكد. حين ذهب إلى عمله، أجريت فحص الحمل، وظهر شريطان. أخذت النتيجة إلى خالته.
"ما معنى شريطين؟" – "أريني...!" نظرت، ثم احتضنتني وقالت:
"مبروك يا ابنتي! ربنا يتمم لكِ على خير."
اتصلت بأمي التي فرحت كثيرًا، وقالت إنها ستأتي مساءً للتهنئة مع نرجس. بالمناسبة، نرجس خُطبت لوائل بعد عنادٍ طويل، رغم أنها أقسمت ألّا تتزوج حتى تنهي الماجستير!
حين جاء موعد عودة وليد، كنت محرجة جدًا أن أخبره، فطلبت من خالته أن تخبره بدلاً عني. – "أأنا الحامل أم أنتِ؟ أخبريه بنفسك!"
وما إن دخل وليد، تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني! صعدتُ الدرج بسرعة، وسمعته يضحك مع أمه التي قالت:
"هَي، لا ترمي الطفل بهذه الطريقة!"
وليد لحقني بسرعة، دخل الغرفة، جلس بجانبي، أمسك يدي وقال: – "ماذا تريدين أن تخبريني؟"
سكتُّ، فقال: – "قولي يا نوارة، أريد أن أسمع منك."
ثم همست:
"أنا حامل!"
احتضنني بقوة، وقال: – "إذًا كلام أمي صحيح! أنا تزوجت حب حياتي... والآن سأرزق بطفل منها! هل هناك أجمل من هذا؟!"
رأيت دمعة تسقط من عينه، فضممته إلى صدري وقلت:
"الله يقدرني وأسعدك يا وليد."
فشدّ خصري وهمس: – "أكثر من هذا، لا يكون إلا في الجنة."
مرّت الأيام، وكان الوحام صعبًا للغاية، وكنت شديدة التعلّق بوليد، لا أتركه يغيب عن ناظري ولو للحظة. وكان، قدر استطاعته، يأخذ إجازات من عمله العسكري ليبقى بجانبي، مع أن إجازات الجيش نادرة وصعبة، إلا أنني كنت ممتنة كثيرًا لموقفه ووجوده إلى جانبي.
على النقيض تمامًا، كنت أحمل في قلبي ضيقًا من وائل خلال فترة حملي، ولا أعرف السبب! إن خرجنا في مشوار وركب معنا السيارة، قد أشعر بضيقة مفاجئة وأطلب من وليد إنزاله في منتصف الطريق. وإن اشتهيت شيئًا في منتصف الليل، أقول لوليد: "لازم وائل يمشي يجيبه، أنا أريدك بجانبي." دللت نفسي عليهما بشكل مبالغ فيه، وتصرفات وليد وتسامحه زادت من دلالي. وعلى الرغم من أن وائل كان ينزعج أحيانًا، إلا أنه وقف معي وقفة أخ، ولم يُقصّر أبدًا.
وجاء يوم ولادتي... كنت مستلقية بجانب وليد، وكان يمرّر يده على بطني، بينما بدأت أشعر بألم خفيف...
– سأموت...
بسم الله! لماذا تقولين هذا؟ – لا أدري، أشعر بتوتر شديد يا وليد... أحس بشيء غير مريح...
عانقني وربت على ظهري وقال لي: "هشش، اهدئي، لا تخافي، أنا معك..."
استمر في تهدئتي حتى غفوت. لكن بعد قليل، بدأ الألم يشتد، حاولت تجاهله، لكن لم أستطع، فأيقظت وليد، فنهض وهو يتخبط في توتره، حتى أنه بدلًا من تشغيل النور، فتح كشاف هاتفه المحمول ليبحث عن حقيبة الطفل. وبعد بعض الارتباك، ذهبنا إلى المستشفى، برفقة أمي وخالتي رحمة.
بمجرد وصولنا، أدخلوني غرفة الولادة مباشرة... تعبت كثيرًا، ولكن في النهاية أنجبت فتاة صغيرة تشبه وليد كثيرًا... احتضنتها وشممت رائحتها... لا شيء أجمل من أن تحملي بين يديك نسخة صغيرة من من تحبين وترينها أمام عينيك.
بعد نقلي إلى الغرفة، جاء وليد، حمل ابنتنا بحنان شديد، تأمل وجهها طويلًا، ثم انحنى وقبّل جبيني، ووضعها في حضني وقال لي بصوت قريب:
– جميلة جدًا!
إنها تشبهك...! وكأن وليد واحد لا يكفيني ليأخذ قلبي! – لا لا، أحبينني أنا فقط!
غيور! ماذا ستسميها؟ – نور!
ماذا؟ – نــــور!
كيف يعني؟ – أريد أن أسميها على اسم أكثر شيء أحبه... وأنا لا أحب سواك!
فسمّيناها "نور".
والآن، أنا ووليد أكملنا عامين من الزواج... نعيش بحب وحنان، ولدينا فتاة صغيرة تملأ حياتنا فرحًا... وبالطبع، أغار منها كثيرًا، ووضعت لها قوانين صارمة: لا تنامي بجانب وليد، ولا يُسلِّم عليها قبلي، ولا ينشغل بها عني، ولا يشتري لها الحلوى ويتركني... والقائمة تطول!
لم أتخيل يومًا أنني سأتزوج شخصًا يحبني بهذه الطريقة، ونعيش حياتنا كقصص الأفلام والروايات... لكن، فعلاً، أنا محظوظة جدًا بوليد!

وهكذا انتهت قصتنا... آمل أن تكون قد نالت إعجابكم واستمتعتم بها... بعض الفتيات طلبن مني أن أحكي القصة من جانب وليد، وأخرى قالت إنني أسرعت في السرد... أخبرتكم من قبل أنني لا أجيد كتابة الروايات، أنا فقط استسلمت لمشاعري وقررت أن أكتب قصتي... لم أكن أعرف كيف أكتبها من وجهة نظر شخص آخر، وكنت أتنقل مع الزمن وأتجاوز تفاصيل شعرت أنها غير مهمة، أو لم أملك القدرة على كتابتها بشكل جيد...

ألـنـهـــــــأيــــــــــــTHE ENDـــــــــــــــﻬـﮧ'ة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال