رواية نوارة (بقلم سوداني) الجزء الاول

نوّارة


نوّارة 《01》

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖

بدأت قصتي منذ زمن بعيد، منذ أن كنّا أطفالًا...
رغم أن بيننا فارق ثلاث سنوات، إلا أنه كان يتمتع بهيبة تجبر الكبير قبل الصغير على احترامه.
منذ صغره، كان أعمامه وأخواله يوقّرونه ولا يعاملونه كطفل مثلنا، وكان هو كذلك عاقلًا، رزينًا، ومهذبًا للغاية، ويعود ذلك إلى كونه متأثرًا بشخصية والده، كبير العائلة، ويحاول أن يكون مثله.

ورغم إعجابي الشديد به وانجذابي نحوه، إلا أنني كنت أزعل منه كثيرًا، لأنه كان دائم التوبيخ لي.
هو في الحقيقة كان يوبّخ بنات العائلة جميعًا، لكنني كنت أتمرد عليه لأنني كنت مدللة العائلة كلها.

كان عمري سبع سنوات عندما عدنا من قطر، وكانت تلك أول مرة أراه فيها.
وسط ازدحام الناس الذين جاؤوا للترحيب بنا، وقف أمامي ويداه في جيبيه، وابتسم...
تلقائيًا شعرت بالخجل وركضت لأختبئ خلف أمي.
ضحك واقترب من أمي التي قابلته بابتسامة عريضة واحتضنته قائلة:
"وليد! لقد كبرت يا ولدي، ما شاء الله، كيف حالك؟ إن شاء الله بخير."
فأجابها: "بخير، الحمد لله."
ثم التفت ينظر خلفها وقال لها: "هذه نوارة؟"
احمرّ وجهي وقلت له: "نُور، اسمي نور وليس نوارة!"
ثم اختبأت أكثر خلف أمي.
فضربتني أمي ضربة خفيفة وقالت: "يا بنتي سلّمي على ابن عمك!"
فابتسم وقال لها: "دعيها يا خالتي، يبدو أنها خجولة مني."
ورحل.

كانت ملامحه جميلة وهادئة، أكثر ما يميّزه حاجباه العريضان ورموشه الكثيفة،
لكن وجهه كان صارمًا، ويبدو أكبر من عمره.
حتى ابتسامته كانت نادرة، لكنها هادئة وراقية.
لم يكن طفوليًا كباقي من هم في سنه، بل كان واعيًا جدًا.

مرت أيام قليلة، وكنت لا أزال مدللة العائلة، لا أحد يرفض لي طلبًا أو يجرؤ على إغضابي.
أصبحت مشاكسة جدًا، لا أدع كبيرًا أو صغيرًا إلا وأغيظه.
وعندما كانت أمي توبّخني، كانت جدتي تقول: "دعيها، هذه نوارة البيت!"
لكن وليد كان الوحيد الذي يراقبني بعينيه ويوبّخني عند الخطأ.
كلما خرجت للعب في الشارع، كان ينهاني لأدخل إلى البيت،
لا يسمح لي باللعب مع الجيران أو الذهاب إلى البقالة أو اللعب مع أبناء أعمامي الكبار.
رغم انشغال أمي بجلسات النساء، كان وليد يقوم بدورها، يراقبني وينتبه لكل تصرفاتي.
وكان ذلك يخنقني كثيرًا، خصوصًا أنه لم يكن هناك أطفال في سني.

كان بيت جدتي يخلو من الأطفال الصغار،
كان فيه جدي وجدتي، وعمي حسن والد وليد، وولاء التي كانت في مثل سن أختي نرجس أي في طور المراهقة،
وكان لديه ابن آخر أكبر سنًا، وعمي حاتم الذي لم يتزوج بعد،
وكان لي عم آخر وعمّتان، يسكنون بعيدًا عن بيت جدتي.

في يوم "الكرامة" الخاص بنا، كنت كعادتي مشاكسة، ألعب مع عمي وهو يرش الحوش بالماء.
كنت أركض من مكان لآخر وهو يحاول رشّي بالماء،
حتى التفتُّ فجأة، وخطفت الخرطوم منه، وبدأت أنا بمطاردته.
كنت أضحك بشدة ومستمتعة، وهو كذلك، حتى تعب من الركض.

– "نور، كفى ركضًا، لقد تعبت!"

  • "أبــيــييت!" قلتها وأنا ما زلت أركض من طرف الحوش إلى الطرف الآخر،
    وعمي يحاول إرضائي ولا يريد أن يحرجني،
    حتى توقف أخيرًا وهو يلهث وجلابيته مبللة بالماء، وما زلت ممسكة بالخرطوم أطارده.

– "نور، كفى لعبًا، لقد أرهقتني!"

  • "يا عمي، دعني..."

= "نــــــور!"

سمعت اسمي بصوت مرتفع جدًا،
أفلتُّ الخرطوم وارتجف جسدي كله،
التفتُّ إلى مصدر الصوت، فوجدت وليد!

= "ما الذي تفعلينه؟! هل تظنين نفسك ما زلت صغيرة؟
ما كان عليك التمادي هكذا لمجرد أن عمي حاتم سكت لك!"

امتلأت عيناي بالدموع، وبدأت أبكي بشدة بصوت عالٍ وأنا أضع يديّ على أذنيّ.
كان يوبّخني دائمًا، لكن نبرته هذه المرة كانت قاسية جدًا!

حملني عمي حاتم واحتضنني بقوة وهو يحاول تهدئتي، وقال له:
"وليد، هذه طفلة، لا تصرخ في وجهها هكذا.
أنا من سمحت لها باللعب معي، لأنها لا تجد من يلعب معها."
= "لكن، يا عمي، للعب حدود!"
– "دعها، سأشرح لها بهدوء... ألا ترى كيف ارتعبت؟"

رغم علمي أنه محق، إلا أنني كنت أخاف من الصراخ والصوت العالي.
ربما تماديت، لكنني كنت سعيدة باللعب مع عمي ولم ألاحظ تجاوزي.
دفنت رأسي أكثر في صدر عمي ولففت ذراعيّ حول رقبته،
وأنا أواصل البكاء، وهو يربّت علي ويهدّئني، ثم أدخلني إلى أمي.

أول ما رأتني أمي، سألت:
"ما بكم مبللين هكذا؟! ما الأمر يا نور؟!"
أجابها وهو يضحك:
"لا شيء، كنا نلعب أنا ونوّارتي... بالله لا تعنّفيها."
قالت له: "وهل هذا لعب، يا حاتم؟! والله لن أدعها تفلت!"
– "أرجوكِ، يا سهام، لا تضربيها ولا تعنّفيها،
لو كانت لي ابنة، ما كنت لأحبها كما أحب نور."

سكتت أمي على مضض، وأخذتني منه وهي تعتذر.
التفتّ فرأيت وليد لا يزال واقفًا في مكانه في الحوش، يحدق بي.
أنزلت رأسي وسرت مع أمي لأبدّل ملابسي.

بعد أن بدّلت أمي ملابسي، أمسكت بيدي بغضب،
وأثناء خروجنا من الغرفة قالت:
"تخطئين ثم تبكين؟!
إياك يا نور من قلة الأدب، فهمتِ؟!
لا تظني أن سكوت الناس عنكِ يعني أن تتمادي!"
هززت رأسي وأنا صامتة،
وبعد مسافة قلت لها:
"وليد صرخ في وجهي!"
قالت لي: "تستحقين!"
وفي تلك اللحظة، رفعت رأسها، فوجدت وليد واقفًا أمامها في نفس مكانه.
قالت له: "وليد، إن أرادت التأديب فصر عليها، لا تصرخ هكذا."

انفلتُّ من أمي وقلت إنني سأجلس مع أبي في صالون الرجال،
كنت أغادر وأنا أتمتم: "لمَ لم تدافع أمي عني؟!"

– "نوّارة!"

التفتُّ، فرأيت وليد.
أدرت وجهي بسرعة وهممت بالجري لأحتمي بجانب أبي.

– "خذي."
رأيته يمد يده بحلوى.
قال: "لم أقصد أن أصرخ عليكِ..."

سكتُّ وأنا أنظر إلى الحلوى، مترددة هل آخذها أم لا،
وفي النهاية مددت يدي، لكنه قال:
"لكنّك أخطأتِ."
تراجعت وسحبت يدي ثانية وأعرضت عنه.
ضحك على ردّة فعلي، وظلّ يمد الحلوى دون أن يقول شيئًا...
وفي النهاية أخذتها منه وركضت مبتعدة حتى وصلت إلى أبي.
ومنذ ذلك اليوم، صرت أخاف من وليد...
ولا أقترب منه أبدًا.

نوّارة 《02》

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖

مرّت الأيام واستقرّينا في السودان لأسباب خاصة. التحقتُ أنا ونرجس بمدرسة خاصة، وأصبحنا منشغلتين بالدراسة، وخفّت شقاوتي نوعًا ما، أو بالأحرى كانت طاقتي تُستنزف كلها في المدرسة. انتقلنا إلى منزل خاص بنا قريب من بيت جدتي، لكننا كنا نزورهم كل يوم جمعة ونقيل عندهم. وكنت أحاول تجنّب وليد قدر الإمكان. أما هو، فكان يعاملني بشكل طبيعي رغم علامات الضيق التي كانت تظهر على وجهي حين أراه، لكنه كان يتجاهلها كأنّه لا يلاحظها. لم تكن أحاديثنا تتجاوز شؤون المدرسة والامتحانات والدراسة. ومع ذلك، لم يتبدد خوفي منه، حتى أن أي خطأ أرتكبه كان يُقابل بتهديد: "سنُخبر وليد!"

استمرّت الأيام عادية ومتشابهة حتى بلغ عمري الثانية عشرة، وكان هو قد انتقل إلى المرحلة الثانوية. ازدادت هيبته، وأصبحت أرتجف لمجرد سماع اسمه أو رؤيته. كلٌّ منّا انشغل بحياته ودراسته، كما أن طبيعة عائلتنا -كمعظم العائلات السودانية- تفصل مجلس الرجال، لذلك لم أكن أراه كثيرًا لأنه كان يمضي أغلب وقته هناك. حتى جاء اليوم الذي غيّر مجرى حياتنا معًا.

كنت أحب الفساتين والمكياج وكل ما يخص البنات. وعندما أكون وحدي، كنت أقلّد أمي ونرجس، وأرتدي مثلهم. ذات يوم، ارتديت فستانًا يخص نرجس، كان واسعًا عليّ قليلًا، وفككت شعري ووضعت أحمر الشفاه الخاص بأمي، ثم ارتديت شبشبها، ووقفت أمام مرآة المدخل أتأمل نفسي بإعجاب، وأشعر أنني تجاوزت مرحلة الطفولة وأصبحت فتاة ناضجة! دُرت عدة مرات حول نفسي لأرى شعري وهو يلفّ معي، إلى أن سقطت أرضًا.

– يا ساتر!

التفتُّ فوجدت وليد واقفًا بجانب مجلس الرجال. شعرت بإحراج شديد لأنه رآني على تلك الهيئة، مرتدية فستانًا ومكياجًا دون أن أدرك وجوده.

= "ما الذي جاء بك؟!" قلتها بغيظ، وأنا أضغط على أسناني في محاولة لإخفاء خجلي.

– "أحضرت ولاء لنرجس... هل أنتِ بخير؟ أساعدك؟" قالها وهو يمدّ يده ليُعينني.

أدركت فجأة أنني لا زلت على الأرض أنظر إليه.

= "لا، لا!" قلتها بينما أحاول النهوض، وإذا بي أعود للسقوط مجددًا، مما زاد من خجلي.

كتم ضحكته وقال: "تعالي، سأساعدك على النهوض."

مددت يدي إليه بخجل شديد، وعيناي إلى الأرض. نهضت، فوجدته لا يزال يمسكني.

– "انظري إليّ."

رفعتُ نظري نحوه بدهشة وأنا صامتة، وكان ينظر في عينيّ طويلًا.

– "لأول مرة أنتبه أنك كبرتِ يا نور... أو كما أحب أن أناديكِ: نوّارة!"

اتسعت عيناي دهشة، وسحبت يدي منه وجريت مبتعدة، لكنني تعثرت وسقطت للمرة الثالثة. غطيت وجهي بيديّ من شدة الإحراج وكأنني أحاول الاختفاء.

سمعت ضحكته خلفي وهو يقول: "ما زلتِ مشاغبة."

أزحت يديّ قليلًا وراقبت من بين أصابعي إلى أن رأيته يغادر. هرعت إلى غرفتي، مغمورة بالخجل، وقلبي يخفق بشدة وكأن تيارًا كهربائيًا يجتاح جسدي. لم أكن كبيرة بما يكفي لأفسر ما أشعر به، لكن لا أنكر أنني كنت مشدودة إليه.

وضعت يدي على صدري أحاول تهدئة دقات قلبي، وكأن الأوكسجين قد اختفى من المكان. تمددت على سريري وأنا غير قادرة على نسيان نظرته لي. هل كان ذلك بسبب مظهري الغريب في الفستان الكبير؟ أم لأنه وجدني جميلة؟ فقد كان مبتسمًا!

نهضت من سريري بسرعة ووقفت أمام المرآة. كان أحمر الشفاه مرسومًا بطريقة طفولية، يتجاوز حدود شفتي، والبلاشر الأحمر كان منتشرًا على خديّ بشكل عشوائي وكأني أعاني من الزكام. فورًا، نفيت الفكرة من رأسي. بالتأكيد ضحك لأنه رأى شكلي المضحك، لا لأنني جميلة.

بالرغم من كل ما حدث، لم أحاول يومًا أن أُفسّر الموقف على أنه حب، ولم يبدُ عليه أبدًا أنه يكنّ لي مشاعر من هذا النوع، إذ ظلّ تعاملنا محصورًا في حدود السلام والمجاملات فقط، حتى جاء ذلك اليوم، يوم كنا نستريح بعد الغداء كعادتنا في يوم الجمعة...

كنا جالسين في الفناء، ومعنا أعمامي، والجو كان غائمًا وكأن المطر على وشك الهطول. كنا قد حضّرنا الكيك والحلويات، وكانت الأجواء مليئة بالأنس والفرح. جلست مرتاحة بحكم أن الجالسين هم من الأهل، حتى دخل وليد وسحب معه أنفاسي والهدوء كله... كان متوجهًا نحو الصالون، لكن أبي ناداه:

– أين كنت يا وليد منذ الصباح؟

ابتسم وسلّم على أبي قائلاً:
– عذرًا يا عمي، كنت مع أحد أصدقائي نُحضّر لأمرٍ ما.

ردّ عليه والدي:
– اجلس، ما بالك واقفًا؟!

جلس وهو يقرأ التوتر في ملامحي منذ اللحظة الأولى.

– ما هذه المواضيع التي تجهز لها يا وليد؟ لا تقل لي زواج؟!

شعرت حينها بضيق شديد، وحاولت أن أتماسك لكن ملامحي خذلتني، وكالعادة، وليد فهم كل شيء من نظرة.

= لا لا، زواج ماذا؟ أنا لم أدخل الجامعة بعد!

هنا، ربت والده على ظهره بفخر وقال:
– وليد تم قبوله في الكلية الحربية.

انهالت التهاني عليه من الجميع، وكانت البهجة تغمرهم، وكنت أنا أيضًا أبتسم حتى سمعت والدته تقول:
– يعني لن نراك كثيرًا بعد الآن...

مهلًا! هذا يعني أنني لن أراه؟! صحيح أنني لا أراه كثيرًا، لكنه على الأقل قريب... أما الآن فسيفتعد تمامًا... ثم، لماذا الكلية الحربية؟! هذا يعني أنه سيلتحق بالجيش، وقد يذهب إلى الحرب... وقد يموت!

في تلك اللحظة، امتلأ رأسي بالسيناريوهات المرعبة، فنهضت مذعورة واتجهت إلى الفناء الخلفي أتنفس بصعوبة، لا أفهم لماذا أشعر بكل هذا الخوف، لماذا يضيق صدري؟ ولماذا أبكي؟!

– نوارة!

لم ألتفت، فمن غيره يناديني بهذا الاسم؟

– نوارة، هل أنت بخير؟

= ستموت؟!
– ماذا؟!

= أعني... الجيش... الحرب... الأسلحة... ستموت!

ضحك بصوت خافت، ولأول مرة يضحك هكذا أمامي، وقال:

– ما هذا الكلام يا نورة؟ موت ماذا؟! ألا تريدين أن تكبري؟

= لا! قلتها باندفاع وتابعت: أليست هناك مسدسات، طائرات، قنابل...

كنت ألوّح بيدي بحماس وأنا أتكلم، أبحث عن الكلمات التي تعبر عن مخاوفي، وفجأة سكتُّ حين التقت عيناي بعينيه، وكان، كعادته، يضع يديه في جيوبه وينظر إليّ بابتسامته الهادئة.

اقترب مني خطوتين، وعيناه مثبتتان علي، وبدأ رذاذ المطر يتساقط على وجهه، على رموشه، على حاجبيه... نظر إلى السماء، ثم عاد ينظر إليّ وقال:

– نوارة... أنا لا تؤذيني العواصف!

كانت نبرة صوته منخفضة، دافئة... لم أفهم شعوري تمامًا، لكنني كنت مشدودة إلى عينيه بشدة. وقفت على أطراف قدمي لأصل إلى قامته، وضعت يدي على كتفيه، ولا زلت أنظر في عينيه.

قال لي بصوته الحنون:
– عيناك بريئتان جدًا... وجميلتان!

لم أستطع الرد، ولا أعلم كم من الوقت مرّ ونحن واقفان هكذا، حتى أشاح بنظره فجأة نحو الباب، وصمت، لكنه كان يبدو كمن يريد قول شيء. تنهد، أدار لي ظهره، ومضى.

= وليد!
– ادخلي قبل أن تبللك الأمطار.

= ولييييد!

لكنه مضى...

مرّ أسبوع، وكان وليد يجهز أوراقه وأغراضه، وذات يوم وأنا أترجّل من السيارة، انتزعت صديقتي حقيبتي على سبيل المزاح، فبادلتها الحقيبة وضحكنا بصوت عالٍ حتى خرجت أمي لتوبخنا. سكتُّ على الفور وسلمت الحقيبة، وانخفض صوتي حين دخلت البيت.

قالت أمي وهي تسير خلفي:
– من الطبيعي أن ترفعي صوتك الآن وقد ذهب من كان يردعك! من سيردعك الآن؟!

– وليد؟! سألتها بفزع.

= نعم وليد، لماذا تبدين خائفة هكذا؟! لقد غادر صباحًا، نسأل الله له السلامة والتوفيق.

شعرت فجأة أن كل شيء حولي توقف... جلست على الأرض، أغمضت عيني، وضغطت على صدري... تذكرت لحظتنا الأخيرة، كأنني أشم عطره وأشعر بأنفاسه... كأنني أسمع صوته يناديني باسمي المفضل: نوارة...

عاد صوت أمي ليقطع استغراقي:

– يا فتاة!

– ها؟!

= لماذا لا تردين؟ أنا أناديك منذ قليل!

– آه، لا شيء...

= ادخلي واغتسلي وبدلي ملابسك لتتناولي الغداء.

سحبت قدمي بتثاقل، وقلت لها:
– لا، أشعر بالتعب، أريد النوم فقط.

استلقيت على سريري بملابسي، وقلبي مغموم، وعيناي مبللتان. كنت غبية، كنت دائمًا أرفض فكرة أن يكون حبًا... لم أكن أقتنع بذلك. لا أدري كم من الوقت مضى، حتى وجدتني أسأل أمي:

– طيب، متى سيعود؟!

نظرت إليّ بدهشة وهي تقطع الخضروات. حاولت أن أبدو طبيعية وأنا أتفادى النظر إليها:

– أقصد وليد!

= آه، لا أدري كيف نظام الكلية، لكنهم قالوا يُسمح لهم بالعودة كل بضعة أشهر.

= شهر؟! هذا كثير يا أمي!

استغربت حماسي وقالت:
– وما شأنك أنت؟!

= أعني... عمي حسن وخالتي رحمة سيفتقدانه كثيرًا، وحتى ولاء ووائل... لن يعتادوا غيابه لشهور...

– همممم...

لم تسلم نبرتي من نظرات أمي المتفحصة، فحاولت تدارك الموقف:
= ولاء! ولاء آخر مرة قالت إنها متضايقة لأنه سيسافر...

ضحكت نرجس التي كانت قد دخلت المطبخ، وقالت بسخرية:
– ولاء؟! ولاء لا تزال طفلة بالكاد تعي شيئًا! هل فقدتِ صوابك؟! ومتى صارت تفضفض لك دوني؟! أنا صديقتها ولم تقل لي شيئًا!

= وما شأنك أنتِ؟! قالت لي وانتهى، لا تتدخلي!

خرجت وأنا منزعجة، وأحاول الهروب منهما، ولم يفتني تعجّب نرجس وهي تقول لأمي:
– ما بها هذه الآن؟!

نوّارة 《03》

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖

مرت الأيام بخيرها وشرّها، ولم أعد أرى وليد كثيرًا. فعندما كان يعود في الإجازات، لم يكن يزورنا في البيت، وحتى عندما أذهب إلى بيتهم يوم الجمعة وأصادف وجوده، غالبًا ما يكون نائمًا في الصالون حتى وقت متأخر، أو يخرج للقاء أصدقائه. أي أننا لم نكن نلتقي أو نتبادل الحديث... كما أنني كنت مشغولة بدراستي في الصف الثالث الثانوي، وصرت أُفوّت بعض الجمعات ولا أذهب لزيارة جدتي وجدي. وبعد ذلك، اجتزت امتحان الشهادة وأحرزت 89%، وتم قبولي في كلية الصيدلة.

واستمرت الأيام إلى أن جاء يوم تخرّج وليد. كان البيت الكبير يعج بالحركة، من تحضير الحلويات والمخبوزات إلى تجهيز كل شيء من أجل وليد. حشد هائل من الناس جاء ليشاركه فرحة التخرج ويبارك له. استغربت من أين يعرف كل هؤلاء الناس؟ ولماذا يحبونه إلى هذا الحد؟! لدرجة أن بعضهم جاء من مناطق بعيدة خصيصًا من أجله!

– يا أمي، كل هؤلاء الناس جاؤوا من أجل وليد؟!
= نعم، هؤلاء الناس جميعهم جاءوا مجاملة لوليد... فهو لا يقطع أحدًا، يزورهم جميعًا واحدًا تلو الآخر... شاب أصيل والله... خذي، راقبي هذا القِدْر حتى لا يحترق.

تناولت منها القدر، وسألتها مجددًا: كل هؤلاء سيذهبون لحضور التخرج؟!
– لا لا، يا ابنتي، إنهم كُثر، فإلى أين سيذهبون؟! سيقيمون له احتفالًا في المنزل عند عودته. أما من سيذهب لحفل التخرج فهم والداه وإخوته فقط.

انشغلت معهم في التحضيرات حتى جاء المساء، ووصل عمّي ومعه وليد! كنت قد مضت فترة طويلة لم أره فيها، فأسرعت لألقي عليه التحية وأراه عن قرب. كان يُسلّم على الناس ببشاشة، لكن مظهره تغيّر كثيرًا... أطلق لحية كثيفة، وحلق شعره بالكامل، بدا جسمه مشدودًا وعضلاته بارزة. رغم علامات الإرهاق التي كانت بادية عليه، إلا أن مظهره كان جذابًا للغاية... لكن لحظة! ألم يتجاهلني؟! نعم، تجاهلني كأنني لم أكن واقفة بجواره، كان ينظر إلى الأرض ومضى يُسلّم على بقية الحاضرين!

تألمت كثيرًا وقلت في نفسي: لماذا تجاهلني؟!
ذهبت إلى المطبخ، فوجدت شهد وشروق، ابنتي عمّتي حنان، ومعهما ولاء. كنّ يسكنّ في ولاية أخرى، لذلك لم أكن ألتقي بهن كثيرًا. شهد تكبرني بعام، وشروق تصغرني بعامين.

– هل رأيتِ كيف أصبح وليد وسيماً يا شهد؟
= يا إلهي! من وسامته وهيبته يا شروق! هل رأيتِ كيف يليق به الزي العسكري؟ يكاد يؤكل!
"أوي يا فتيات! لا تُصِبن أخي بعين! عينا الفتاة تخرّب كل شيء!" خمّست ولاء في وجه شهد وشروق وخرجت وهي تضحك.

حين رأنني واقفة، سألتني شهد: نورة نورة، هل سلّم عليكِ وليد؟

  • لا. قلتها وأنا أفتعل الانشغال بأغراض المطبخ.
    = يُقال إنه أصبح متدينًا ولا يُصافح الفتيات! تخيلي أن تتزوجي رجلاً لم يمسك يد امرأة غيرك قط!

  • لكنه أمسك من قبل...! قلتها بانفعال حاولت جاهدًة إخفاءه.
    – أمسك يد مَن؟! قالتها شهد واقتربت مني. قولي!
    تذكّرت آخر موقف جمعنا، حين أمسك بيدي تحت المطر. هززت رأسي بسرعة محاوِلة طرد الذكرى، وقلت وأنا أتلفّت:

  • أأأ... لا أدري... أقصد، ألم يكن يُسلّم علينا عاديًا في السابق؟!

أخيرًا، هدأت أعصاب شهد وشروق وتنهدتا بارتياح، وردّت شهد:
– يا فتاة، كان ذلك زمان... الماضي شيء والحاضر شيء آخر. ثم غطّت وجهها خجلًا.

طَرقات خفيفة
السلام عليكم.
– وعليكم السلام، تفضل يا وليد، هل تحتاج شيئًا؟
= المعذرة، هناك بعض الضيوف وصلوا ولم يُقدَّم لهم شيء. أين ولاء؟!
شهد أسرعت لفتح الثلاجة وهي تقول: لا لا، لماذا ولاء؟! أنا من سيُضيفهم. أما شروق، فأخرجت الصينية والأكواب بسرعة، بينما كنت واقفة أتأمّل المشهد باستغراب... أيمكن أن تحبّاه الاثنتان نفس الشاب؟! أمعقول؟!

جهزتا الصينية، وحملها وليد منهما. لم تفُتني نظرات الإعجاب التي رمقنه بها، بينما هو كان ينظر إلى الأرض.
– أنتن بنات عمتي حنان، أليس كذلك؟!
= نعم، أنا شهد وهذه شروق.
– عرفتكن، لكنني لا أراكن كثيرًا حين أزور البلدة... اعذرنني.
= لا بأس، المهم أن اللقاءات القادمة ستكون أكثر.

تجاهلني ومضى، وكأنه لم يرني أصلًا... بينما شهد وشروق تتراقصان فرحًا.
غادرت المطبخ وتوجهت مباشرة إلى غرفتي... تمددت على السرير وأنا غاضبة ومحبطة. أمعقول أنه نسي أمري؟! ظللت أفكر طويلًا حتى دخلت نرجس وولاء.

– أنتِ هنا يا نورة؟ أمي تبحث عنك.
رددت عليها بصوت خافت: أشعر بالتعب.
وضعت يدها على جبهتي وقالت: هل تشعرين بشيء؟ ليس لديكِ حُمّى...
أدرت وجهي نحو الحائط وقلت: صداع... قليل وسيمضي.
– حسنًا، ارتاحي. سنُخبر ماما سهام عنك. غطّتني ولاء، أطفأت النور وخرجت.

استلقيت على السرير أفكر وأسترجع أحداث اليوم، وبعد قليل سمعت إشعارات على هاتفي. التفت أبحث عنه، إذ لم آخذه معي حين كنت في منزل جدتي. أخرجته من تحت الوسادة وفتحت الرسائل، فوجدت بعضها من زملائي في الدفعة، وبعضها من الطلاب الأقدم، وكان أغلبهم من الذكور، يسألون عن سبب اختفائي.

في تلك اللحظة انتابني شيء من الغرور... كنت أعلم أنني جميلة بشهادة الجميع، وأعلم أنني محط أنظار من حولي، لكنني كنت أغلق باب الارتباط وأتعامل مع الجميع في حدود الزمالة... ربما لأن قلبي كان مشغولًا! ربما لأنني كنت أنتظر "وليد"! تصفحت الرسائل واحدة تلو الأخرى:

  • "نور، أين أنتِ منذ البارحة؟"

  • "نور، افتقدناك في المجموعة!"
    = "نورة، طمنينا عنكِ... إن كنتِ متفرغة اتصلي بي..."

وسوس لي الشيطان حينها، وقلت في نفسي: "الجميع يراني... إلا هو!" شعرت برغبة في الانتقام الصامت، وقررت الرد على أحدهم ممن كنت أعلم بإعجابه بي... كان أحد الطلاب الأكبر مني، اسمه "مازن"، وتخرج هذا العام:

  • "عذرًا يا مازن، كنت مشغولة قليلًا."

قرأ الرسالة واتصل بي على الفور. ترددت في البداية، ثم أجبته في آخر جرس.

  • "يا نور!"
    = "كيف حالك يا مازن؟"

  • "دعيني من نفسي، كيف حالك أنتِ؟! لم تردي منذ يومين..."
    = "بخير والله، فقط انشغلت بأمر عائلي."

  • "المهم أنك بخير..."

أخذ يتحدث ويتحدث، وأنا أستمع فقط، حتى قال لي: "يبدو أنك مرهقة، نامي الآن وسأتصل بك لاحقًا."
ثم سكت لثوانٍ وقال: "نور... أنا سعيد أنك تحدثتِ إليّ، لا تتخيلي كم كنت أنتظر هذه اللحظة!"
سكتُّ... لكن كلماته حرّكت في داخلي شعورًا بأني محبوبة، فابتسمت، وأنا لا أعلم هل ما فعلته صواب أم خطأ.

أغلقت المكالمة مع مازن، وظللت أحدق في السقف حتى دخلت أمي.

  • "نور، هل أنتِ بخير؟ ولاء قالت إنك مريضة."
    = "أنا بخير، فقط كنت أعاني من صداع."

  • "هل تناولتِ مسكنًا؟"
    = "نعم، وسأكون بخير الآن."

نظرت إليّ طويلًا وقالت بصوت خافت: "ما بكِ يا نور؟"
للحظة كدت أن أخبرها بكل شيء... لكنني ضحكت وقلت: "أعرف أنك لا تستطيعين احتمال البيت من دون مزاحي!"
ضحكت وضربتني ضربة خفيفة على قدمي وقالت: "كفى دلعًا!" ثم حين وصلت إلى الباب عادت وقالت لي: "أغلقي الباب جيدًا، نرجس ستقضي الليلة هناك."

أغلقت الباب وذهبت لأنام. وجدت اتصالًا من مازن، وبما أن نرجس ليست هنا، فتحت الخط وتحدثنا قليلًا. بعد حين قال لي: "لقد تأخر الوقت كثيرًا!"
نظرت إلى الساعة، فوجدتها تقترب من الثالثة فجرًا. قلت له: "تصبح على خير."
رد قائلًا: "أنتِ الخير لحياتي كلها!"
توترت كثيرًا وأغلقت المكالمة.

في اليوم التالي، ذهبت إلى الجامعة، وفي الطريق اتصل عليّ مجددًا.

  • "نور، يا نور!"
    = "مازن، يا مازن!"

  • "أين أنتِ؟"
    = "في الطريق..."

  • "أين بالتحديد؟ آتي لأوصلك؟"
    = "لا، لا داعي، أنا قريبة..."

أغلقت المكالمة، وبدأت أشعر بشيء من السعادة من اهتمام مازن... ذلك الاهتمام الذي كنت أتلقاه من وليد في السابق، واختفى الآن...

مرت الأيام، وكان مازن يبذل جهدًا كبيرًا ليجعلني أحبه... من هدايا ورسائل جميلة واهتمام متواصل... قدم لي كل ما تتمناه أي فتاة، وشعرت بأنني بدأت أبادله المشاعر...

ذات يوم، جاءتني إحدى زميلاتي في الدفعة وقالت لي:

  • "يا محظوظة!"
    = "نعم؟!"

  • "مازن؟! مرة واحدة؟! صبرتِ ونلتِ! وقعتِ واقفة!"
    = "الله لا يضرك!"
    تجاوزتها وأردت الانصراف، لكنها قالت: "طالما لم يخطبك، إذًا فهو لنا جميعًا!"
    التفت إليها وقلت: "إن كنتِ قادرة على خطفه، فافعلي!" ومضيت في طريقي...

عدت إلى البيت، ووجدت الفتيات يجلسن في غرفتي أنا ونرجس. كنّ بنات عمتي حنان: شهد، شروق، ولاء، ونرجس...

  • "أليس لديكن بيوت تجمعكن؟!"
    قلت ذلك وأنا أستلقي على السرير من التعب.

= "جئنا من أجل نرجس..."

  • "لا من أجلي ولا شيء، جئن من أجل ولاء وأخوها!"

ضحكنا على مزاح نرجس واستمر الحديث حتى دخلت فتاة غريبة:

  • "أنتم هنا؟! ولاء، تعالي أريني أين صابون البودرة؟!"
    = "ماااذا؟! نفد؟ ولماذا تحتاجينه؟!"

  • "وليد طلب مني أن أغسل له ملابسه..."

  • "وليد؟!" قلتها وأنا ألتفت نحوها بدهشة، فقد كان وليد لا يطلب من أي فتاة أن تفعل له شيئًا، ولا حتى من ولاء... كان دائمًا يعتمد على نفسه...

نظرت إليّ من رأسي إلى قدمي، وقالت بتحدٍ: "نعم، وليد!"

= "هذه أروى، ابنة خالتي رحاب، يا نور... وهذه نور، ابنة عمي."

  • "أهلًا!" ردت دون أن تسلم، وظلت تنظر إلي بنفس التحدي.

جلست شهد وقالت لها: "ولماذا تغسلين له أنتِ؟ لماذا لا يطلب من أخته؟"
ردت أروى بجفاء: "وليد دائمًا يطلب مني أنا... أأقول له لا؟!"
قفزت شروق وقالت: "يطلب منك أنتِ؟! هذا كلام؟!"
وضعت يدها في خصرها وقالت: "ولم لا يطلب مني؟!"

نرجس وولاء كادتا تنفجران ضحكًا، حتى قامت ولاء بسرعة وقالت لأروى: "سآتي لكِ بالصابون من هنا..."

قبل أن تغادر، نظرت إلينا نظرة استعلاء ثم خرجت...

ضحكت نرجس وقالت: "وليد عامل فتنة في العائلة... أسر قلوب بناتنا جميعًا، الكبار والصغار... إلا أنا وأنتِ!"
نظرت إليها ولم أرد.

  • "أليس كذلك؟!"

  • "نعم، نعم، كسر قلوبنا جميعًا!"

أخذت هاتفي وخرجت، لأنني دومًا مكشوفة أمام نرجس... تفهمني جيدًا، وكنت متأكدة أن كلامها لم يكن عبثًا...

جلست في الحوش أفكر... أليس من المفترض أنه متدين وينتمي للأنصار؟ كيف يكلم ابنة خالته ويطلب منها غسل ملابسه؟! ثم ما حاجته؟ لديه غسالة أوتوماتيكية! كيف يتعامل معي كأنني غير مرئية، ويكلم غيري بلطف؟!

ثم قلت لنفسي: "لماذا أغضب؟ ما شأني؟"
فتحت هاتفي واتصلت على مازن...

  • "حبيبتي!"

  • "كيف حالك؟"

  • "بخير، يا قلبي... ما بالكِ، صوتك مختلف؟!"
    تنحنحت قليلًا وأخذت نفسًا وقلت: "لا شيء، فقط متعبة..."

  • "متعبة أم منزعجة؟"

  • "متعبة..."

  • "نوري، أخبريني ما يضايقك؟"

  • "قلت لك إنني متعبة فقط... كل مرة تسألني... أووف!"

سادت لحظة صمت بعد انفعالي، ثم تنهدت وقلت له: "آسفة، لم أقصد..."

تجاوز انفعالي بلطف، وبدأ يمازحني ليخفف عني. هدأت قليلًا وبدأت أضحك، حتى لمحت "وليد" يقف عند باب الشارع يحدق بي طويلًا... تذكرت نظرته في الماضي، حين كان يتابعني بعينيه ونحن صغار... للحظة، اختفت ضحكتي... ثم جاءت أروى تقول له: "وليد، لماذا تقف هنا؟ تفضل!"

خفض عينيه، ثم دخل، ونظر إليّ مرة أخرى، ثم مضى إلى الصالون... قلت في داخلي: "هل هذا بيتها حتى تدعو الضيوف؟!"

  • "نور!"

  • "نعم، يا مازن."

  • "أين ذهبتِ؟ كنت أناديك ولم تردي!"

  • "عذرًا، سرحت قليلًا... سأتصل بك لاحقًا."

  • "تمام يا سُكّرة... اعتني بنفسك."

أغلقت الخط، وذهبت لأصلي وأعدّ شاي المغرب. أثناء ذلك، جاءتني شهد مستعجلة:

  • "هل أعددتِ الشاي؟ وليد قال إنه سيغادر!"
    قلت في داخلي: "الحمد لله أني سأتخلص من تلك المتكبرة!"
    أجبتها بصوت متعب: "قارب على الجاهزية..."

جلست شهد وقالت لي: "تخيلي، أروى قالت إن وليد كان يحبها! وهي مخطوبة الآن لابن خالته!"

وقبل أن أرد، دخلت أروى صارخة: "وما شأنكِ أنتِ؟ هل كتبتيه باسمك؟ أم أنه حقكِ وأنا لا أعلم؟! نعم، كان يحبني، ولا يزال يحبني، وأنا أحق به منكن جميعًا، وسأتزوجه، وسأتزوجه!"

– "هيي، يا أختي، متى راق لك أن تُخْطَبي لغيره؟! ثم، أي حب هذا؟! هل تظنين أننا تعرفنا على وليد بالأمس؟! هذه نشأت معه تحت سقف واحد، اسأليها إن ذكر اسمك يومًا!" وأشارت نحوي.

نظرا إليّ كلتاهما، في انتظار ردي.

– "كفى، اصمتا..." نزعتُ السخان من يدي وأنا أحاول أن أغلق أذني بكفّي. لطالما شعرت بالخوف والارتباك من الأصوات المرتفعة. وما إن أفلت السخان حتى اندفعت المياه الساخنة على قدمي.

صرختُ صرخة واحدة، وإذا بأمي فوق رأسي وأبي يدخل المطبخ مرددًا: "يا ساتر يا ساتر... ما بكن يا بنات؟!"

وقفت أمي تتفحص الحرق وهي تقول: "ووب، ما هذا يا نور؟!" ثم صرخت: "يا بنات! نرجس، أحضري ماءً باردًا بسرعة!"
جاءت نرجس بالماء، وشهد وأروى كانتا واقفتين بعيدًا مذهولتين.
أبي نظر إلى قدمي، وقد علاه القلق، يتمتم ويحوقل، ثم قال: "غَطّوها بثوبها، أو ألبسوها أي شيء، سأأخذها إلى المستشفى."

أصلحت لي نرجس ثوبي، ومسحت دموعي قائلة: "هل يؤلمك كثيرًا؟"
أومأت برأسي باكية، فجاء أبي وحملني، وجلس بي في المقعد الخلفي إلى جانب أمي، ثم انطلقنا في سيارة وليد.

ذهبنا إلى المستشفى، ولحسن الحظ لم يكن الحرق خطيرًا، لكنه غطى مساحة كبيرة.
أعطوني مسكنًا ومرهمًا، ولفوا قدمي بالشاش.
وأنا خارجة، كانت أمي تسندني وتخطو بي ببطء، وأبي واقف عند المدخل مع وليد.
ما إن رآني أبي حتى أتى ليساعد أمي في سَنَدي، وكان وليد يحدّق بي بشدة...
نظر إلى مكان الحرق، ثم أعاد نظره إلى وجهي للحظة، ثم تجاوزني وتوجّه مباشرة إلى سيارته، منتظرًا.

ركبنا، وطوال الطريق كان يتحدث مع أمي وأبي بشكل طبيعي، وكأنني غير موجودة.
تضايقت كثيرًا، وأخذت أُحدّق عبر النافذة، أحبس دموعي بصعوبة.

وحين وصلنا، قال لأمي: "الحمد لله على السلامة."
ردت عليه: "الله يسلمك يا ولدي، تفضل ادخل."
قال لها: "أعتذر، والله على عجلة يا خالتي، في وقت آخر إن شاء الله."
رغم إلحاحهم، رفض الجلوس وغادر.

دخلت، فوجدت نرجس وشهد جالستين.
جاءت نرجس مسرعة وساعدتني على الوصول إلى سريري، وسألتني عمّا حصل، ثم ذهبت لتحضر لي ماء.
جلست شهد إلى جواري، وقد بدت عليها الحرج، وقالت:
– "نور، أنا آسفة..."
– "لا تعتذري، قضاء وقدر."

قالت وهي تدمع:
– "أنا حقًا آسفة، أشعر بالذنب منذ البداية."
ربتُّ على يدها، ولم أُجِب... رغم كل ما حدث، شهد مسكينة وطيبة، ولم تكن تقصد إيذائي.
عادت نرجس وقدّمت لي الماء، وقالت: "هاتفك يرن منذ قليل."
– "اتركيه، لا طاقة لي للرد."

تمدّدت في سريري، مكتظة بالمشاعر، مختنقة ومضطربة، لا أعرف لماذا.
ظللت مستيقظة حتى منتصف الليل، ونرجس بجانبي لم تنم، ممسكة بهاتفها.

– "نرجس..."
= "هممم.. نعم، هل تحتاجين شيئًا؟"
– "لا لا... فقط أريد أن أسألك شيئًا."
= "اسألي يا ستي."

– "كيف يمكنني أن أعرف أنني أحب أحدهم؟ أعني، حبًّا حقيقيًا؟"
= "الله الله! صرتِ تحبين من ورائي!"
– "كنت مخطئة إذ سألتك..."
= "لا تغضبي، حسنًا؟" ثم عدّلت جلستها وأكملت:
"والله لا علم لي كبير بهذه الأمور، لكن برأيي، إن كان قلبك ينبض بقوة لمجرد رؤيته، وكأنّه سيقفز من مكانه، وإن أصبحتِ تتنفسين بسرعة ولا تستطيعين اللحاق بأنفاسك، وإن شعرتِ برعشة في جسدك حين ينظر إليك...
وإن وجدتِ نفسك تفكرين فيه ليل نهار، وتصرف صغير منه يُحلّق بك في السماء، وآخر قد يهوي بك إلى سابع أرض...
فهذا يعني ببساطة أن كل تصرف منه يؤثر فيك."

سكتُّ قليلاً ثم سألتها:
– "وماذا إن ضايقني حديث الفتيات عنه؟ أو أن ينظرن إليه بإعجاب؟ هل هذا حب؟"
= "هذا حب حقيقي، وأنت تغارين عليه... والغيرة، لا تسألي، نار!"

أومأت برأسي وسكتّ، غارقة في أفكاري...

= "إنه وليد، أليس كذلك؟!"
– "ها؟! لا... ما شأن وليد؟"
= "مازن؟"

نظرت إليها بصمت.
= "رأيت رقمه يتصل بك مرارًا وأنتِ في المستشفى... أدركت أن لهفته ليست عبثًا."

لم أرد، لكن كلامها ظلّ يدور في رأسي...
كنت أُضايق حين أروى وشهد تتحدثان عن وليد، ولم أُضايق حين قالت لي زميلتي في الجامعة: "سأخطف منكِ مازن."
أشعر بنفس الأعراض التي وصفتها نرجس عندما أرى وليد...
لكنني أبقى عادية جدًا عند رؤية مازن. لا لهفة، لا اضطراب...
أقنع نفسي أنني سعيدة معه، لكنني في داخلي أعلم أنني لا...

حين يتجاهلني وليد، أتألم وأتضايق بشدة.
أما إذا انشغل عني مازن يومين، قد لا أفتقده أصلًا.

في تلك اللحظة، وصلت إلى الحقيقة:
أنا أحب وليد.
ومازن لم يكن سوى محاولة لملء الفراغ الذي تركه وليد.
أدركت أنني لم أحب مازن، بل أحببت حبّه لي، واهتمامه بي...
لكن قلبي، لم يسكنه أحد سوى وليد!

نوّارة 《04》

〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖〰️➖


مرت الأيام والشهور، وزاد تجاهل وليد لي، كما زاد ضيقي منه. لم يكن كرهًا بمعناه الحرفي، بل كنت حزينة جدًا لأنه لم يشعر بحبي. لقد علّقني به منذ طفولتي، والآن يتجاهلني تمامًا. كنت أترجم حزني ذلك على أنه كره، وأقنعت نفسي بأنني أكرهه كثيرًا. وبدأت أُظهر له أنني لا أبالي به كما يفعل هو.

توقفت عن الذهاب إلى بيت جدي، خاصة بعدما انتقلت شهد وشروق إليه مع والدتهما وأخيهم لظروف خاصة، وكانت أروى لا تزال كثيرة التردد.
أما وليد، فقد التحق بعمل عسكري وصار كثير السفر في مهمات. وانشغلت أنا بالدراسة، وحاولت أن أشتت نفسي أكثر بعلاقتي مع مازن. كنت مستسلمة لتلك العلاقة، أظن أن حبه لي يكفي. استمريت معه رغم علمي بأنني لست مقتنعة تمامًا بعلاقتنا. كنت أتأثر بكلماته الجميلة، لكن ما إن يغلق الهاتف، حتى أفكاري تعود فورًا إلى وليد. ربما ترينني أنانية أو متهورة، لكنني كنت مستعدة أن أعيش هذه العلاقة كما تفعل الكثير من الفتيات، اللاتي يستسلمن لواقعهن ويعشن بلا حب، فقط بالمودة والرحمة التي تحفظ بيوتهن.

مرت فترة طويلة، وذات يوم، عادت أمي من زيارة جدتي وقالت لي: "جدتك تفتقدك كثيرًا، اذهبي لزيارتها."
رغم أنني لم أكن أرغب في الذهاب كي لا أُصادف وليد أو إحدى الفتيات المتصنعات، لبست عباءتي وذهبت.

عند وصولي، رأيت عمالًا ينزلون الكثير من الأثاث. استغربت، ودخلت فورًا إلى غرفة جدتي، فوجدت عندها خالتي رحمة، والدة وليد.
سلمت على جدتي، ثم توجهت لأسلم على خالتي، فردّت عليّ ببرود وغادرت فورًا. استغربت من تصرفها، لكنني ظننت أنها ربما متضايقة من أمر ما.
سألت جدتي: "لمن هذا الأثاث؟"
فقالت: "إنه لوليد، يستعد لتجهيز شقته فوق البيت، والده منحه إياها." رفعت يدها ودعت له: "ربنا يحفظه ويبارك له."

نظرت إلى الخارج فوجدت أروى تُنسق العمال وتوجههم أين يضعون كل شيء.

بعد قليل، نادتني شهد: "نورة!"
استأذنت من جدتي وذهبت إليها. قالت لي: "هل رأيتِ تلك الفتاة الخفيفة كيف تستلم الأمر وكأن الأثاث لوالدها؟"

قلت لها: "عيب، وهل والدها سألها؟"
قالت: "المهم، سألت أمي وقالت إن وليد لا يبدو أنه يحبها أو يفكر بها، ويُفترض أن يرشحوا له عروسًا."
قلت: "يرشحوا له؟!"
قالت: "نعم، لديه الآن خيارات كثيرة داخل العائلة وخارجها، وسيختار من تعجبه. هذه إن رفضت، سينتقل فورًا لغيرها." ثم ابتسمت وأكملت: "من سترفضه لا بد أنها مجنونة."
نظرت إلى أروى من بعيد وقالت: "تستحق الصدمة."

قلت لها: "يعجبك أن تكوني خيارًا بين كثيرات؟!"
قالت: "هذا وليد! سأغتنم أي فرصة تقربني منه."
قلت: "وما هو وليد حتى تذلي نفسك بهذا الشكل؟ أن تكوني خيارًا من بين كثيرات أم تكوني الخيار الوحيد؟!"
سكتت وهي تنظر إليّ، ثم انسحبت.

وأنا عند باب البيت، رأيت وليد ينظر إليّ بالنظرات التي اعتدت عليها. لكن هذه المرة، أنا التي تجاهلته ومضيت.

من شدة ضيقي به، كنت أحاول دائمًا التقليل من شأنه. الجميع يعرف أن في كل عائلة شابًا تُعجب به الفتيات، لكنني كنت أرى أن إعجاب الفتيات به لا يستحقه. لم أرغب أن يعجبن به كما أفعل، فكنت أحاول أن أظهره لهن على أنه شخص عادي.

مرت شهور، وفي أحد الأيام أرسلتني أمي إلى خالتي رحمة لأجلب منها بعض الأغراض.
ذهبت إليها، فاستقبلتني ببرود. تحدثت معها، لكنها كانت ترد باقتضاب، وهذا غريب، خاصة أنها كانت تحبني كثيرًا سابقًا.
أعطتني الأغراض وكأنها مستعجلة على رحيلي. عدت إلى المنزل شاردة الذهن.
لاحظت أمي شرودي وسألتني: "ما بكِ، لماذا أنتِ شاردة؟"
قلت: "خالتي رحمة تعاملني بطريقة غريبة."
قالت: "غريبة؟ ماذا تقصدين؟"
قلت: "باردة جدًا، ليست كعادتها."
قالت: "تتخيلين فقط، خالتي رحمة طيبة، ولو كانت زعلانة منك ستخبرك."
قلت: "لكن الأمر طال كثيرًا."
قالت: "نورة، كفى هذه التصرفات، إلا إذا كنتِ أنتِ السبب ولم تخبريني."
دخلت غرفتي، مدركة أنها لن تفهمني.

مرت الأيام، وواصل وليد تجاهله، وخالتي رحمة استمرت في معاملتها الغريبة.
حتى جاء يوم، زارتني فيه ولاء في البيت.

سلمت عليها وقلت لها: "نرجس خرجت، لم تخبرك؟"
قالت: "لا، أخبرتني. لكنني جئت لرؤيتك أنت."
استغربت: "أنا؟! خيرًا إن شاء الله."
قالت بابتسامة متوترة وهي تمسكني من يدي: "أيًّا كان ردك لن يؤثر على علاقتنا... وأحد لم يرسلني، أنا فقط أردت أن أقول..."
قلت: "قولي! أخفتني!"
أخذت نفسًا وقالت: "ما رأيكِ في وليد؟"
ارتبكتُ، وحاولت إخفاء توتري:
"رأيي في ماذا؟"
قالت: "كعريس، هل توافقين؟"

حينها تذكرت كلام شهد عن الزواج بالترشيح، وأنني مجرد خيار من بين خياراته. وإن رفضتُ، سينتقل لغيري، وكأنه يختار حذاءً!
وتذكرت أيضًا كلام أروى عن أنه يحبها، ولا يمكن أن يحب سواها، وكيف أنه جبان لا يواجهني بنفسه ويرسل أخته بدلًا منه.

صرخت: "لا!"
ووقفت وأنا أُصارع أفكاري.
تفاجأت ولاء وقالت: "لا؟! لماذا؟ ما الأسباب؟"
سكتُّ، ثم قلت: "لا أشعر نحوه بشيء، أعتبره مثل أخي، لا أستطيع الزواج منه."

هزت رأسها وانصرفت، وجلستُ في مكاني ساكنة.
بعد قليل، دخلت أمي وسألتني: "ماذا كانت تريد منكِ؟"
قلت: "قالت إنها تريد ترشيحي لوليد."
قالت: "و...؟"
قلت: "رفضت."
قامت غاضبة وقالت: "يا حمقاء! من ترفض وليد؟!"
قلت بنفس الانفعال: "ومن يكون وليد حتى تصطف الفتيات أمامه ليختار؟ أمير أم وزير؟! ثم إنك تعلمين كم المشاكل التي ستأتينا إن وافقت. عمتي حنان تريده لشهد، وشروق، وعمي حسين يريد أن يزوجه ابنته، وخالتي رحاب تلاحقه بابنتها رغم خطبتها... ومن يدري كم فتاة غيرهن تطمع فيه."

جلست أمي وتنهدت وقالت: "مشاكل العائلة لا تنتهي، لكنني لن أقدّم سعادتهم على تعاستك. إن كان يريدك، وأنتِ تريدينه، فما المانع؟ الرجال المحترمون يتزوجون هكذا، بلا حب ولا كلام فارغ. يرى فتاة محترمة، فيتقدم لها مباشرة. وأنتِ نشأتِ أمامه. أنا لا أجبرك، فقط أريك الصواب. الجميع يتمنونه لأنه محترم ومسؤول، وأمثاله نادرون هذه الأيام. ليس عيبًا أن يتمنوه لبناتهم."

ربّتت على كتفي وقالت: "استخيري الله، وادعيه أن يختار لك الخير."

عصرًا، جاءت خالتي رحمة.
فتحتُ الباب وأنا أتهيأ لتوبيخها بعد أن عرفت برفضي، لكن على العكس، عانقتني بحرارة، وسلمت عليّ ببشاشتها القديمة.
استغربت، وأدخلتها.
سلمت على أمي، التي كانت محرجة، وقالت لها: "معذرة يا رحمة، البنت لا تزال صغيرة..."
قاطعتها خالتي قائلة: "كل شيء قسمة ونصيب. أنتِ أختي، ونورة ابنتي وحبيبتي."
ثم التفتت إليّ وقالت: "أعدي لي قهوة من يديكِ الجميلتين، وضعي من بخور أمكِ الرائع."

كنت أظن أنها تجهل أنني رفضت ابنها، لكنها بهذا التصرف أوضحت لي أنها كانت تتعامل معي ببرود لأنها لا تراني مناسبة له، وحين رفضته، عادت لطبيعتها.

وأنا أُحضّر القهوة، سمعتها تقول لأمي: "على فكرة، وليد سألني عن شهد، في أي صف تدرس."
وضعت القهوة بسرعة، وهممت بالانصراف، فقالت أمي: "اسكبيها قبل أن تذهبي."
سكبت القهوة، وخالتي رحمة تواصل: "أرى أن شروق أفضل له من شهد، فهي صغيرة وساذجة، أما شهد فمتكبرة وعيناها واسعة!"
ضحكت أمي وقالت: "والله يا رحمة، البنات مؤدبات، لم أرَ منهن إلا الخير."

عدت إلى غرفتي أفكر: لمَ تقدم لي إن كانت عينه على شهد؟ أو ربما بعد أن رفضته، ذهب ليرى غيري؟
ثم تذكرت كلام ولاء: "لم يرسلني أحد، أتيت من تلقاء نفسي."
ربما لم يفكر بي أصلًا، ولا يعلم إن كنتُ وافقت أم لا...

مرّ أسبوع وأنا أتجنب الذهاب إلى بيت جدتي أو لقاء أي أحد من عائلتي هناك، فقد كنت خائفة أن يسألوني مجددًا عن سبب رفضي لوليد، ولم أكن أرغب في فتح الموضوع مرة أخرى. وذات يوم جاءتني شهد تحمل رسالة عتاب من جدتي، قالت لي: "زعلانة منك لأنك ما جيتينا من زمان." اضطررت حينها لارتداء عباءتي وذهبت معها. طوال الطريق، كانت شهد تتحدث عن وليد، وكل ما فهمته من كلامها أنه لم يتحدث معها ولم يُفتح موضوع الزواج من الأساس، لكنها لا تزال تأمل أن يفاتحها أحدهم. كما علمت أنها لا تعرف أن ولاء قد تحدثت معي.

دخلت البيت وأنا أدعو ألا أرى ولاء أو عمي حسن أو وليد. ولحسن حظي، وجدت جدتي وحدها وخالتي رحمة في المطبخ. بعد أن انتهيت من لوم جدتي لي، ذهبت لإلقاء التحية على خالتي رحمة، فقالت: "يا نورة، الله جابك، خذي هذه القهوة وقدميها لأهل عمك حاتم هناك."

أخذت الصينية ومضيت نحو الصالون، فسمعت صوت وليد يقول من الداخل: "يا عمي، الله يعلم أنني لم أتحدث مع أي واحدة من البنات هنا أو أوهمتها بأي شيء، أنا أتيت بعرضي مباشرة."

ورد عليه صوت آخر، وكان صوت عمي: "حسنًا، دعنا من كل هذا.. من هي التي قررت خطبتها إذًا؟"

صمت، وطال صمته.

– "ما لك متردد يا وليد؟" = "آه يا عمي.. كلما فكرت في خطبة غيرها، أجدها لا تشبهها وأتراجع.. لا أستطيع تجاوز الأمر.."

كنت أرغب في سماع بقية الحديث، لكنني سمعت سيارة عمي حسن تتوقف عند الباب. طرقت الباب وسلمت من بعيد بينما أضع القهوة.

– "نوري.. أسيبي الولد دا، أخليه يسلم علي؟!" ثم فتح ذراعيه ليعانقني. حضنت عمي حاتم، واسترجعت ذكريات قديمة، نفس الموقف، أنا في حضن عمي وأتخفى من وليد.. ووليد ينظر إلي بنفس النظرات، لكنني شعرت هذه المرة بعتاب كبير فيها.

قليلًا وسمعت صوت عمي حسن، ألقيت عليه التحية لكنه تعامل معي بشكل عادي. لم أعد أفهم شيئًا.. هل حديث ولاء لم يُفصح عنه لأحد؟ أم أنهم جميعًا يعلمون بالأمر ولكنهم لا يولونه اهتمامًا؟ خرجت من هناك وأنا أفكر.. من تكون هذه الفتاة التي لم يجد وليد مثلها؟ مستحيل أن أكون أنا، فهو دائمًا ما يقلل من شأني. يبدو أنه لا يحبني.

مرت عدة أسابيع، وفي يوم لم أكن ذاهبة فيه إلى الجامعة، قمت بتنظيف المنزل وترتيبه، ثم تمددت على سريري مرهقة، فجاءتني نرجس وقالت: "أبي يناديكِ."

نهضت بكسل وجرجرت قدميّ نحو الصالون، وإذا بي أرى سيارة وليد وهي تغادر المنزل. قلت في نفسي: "إذاً هناك مصيبة، أبي لا يناديني هكذا عبثًا.. متى جاء وخرج؟!"

طرقت الباب فقال لي أبي: "مرحبًا، تعالي اجلسي."

جلست وقلت له: "ناديتني؟"

نزع نظارته وقال: "نعم.. أريدك في موضوع. علمت أن وليد قد تقدم لك، وأنكِ رفضته.. ما هي أسبابك؟"

سكت.

– "هل هناك أحد آخر في حياتك؟" = "نعم." – "حقًا؟!" = "نعم يا أبي." – "هل هو مستعد لمقابلتي؟" = "أعتقد ذلك."

قال لي بحنان: "انظري يا نور.. أنا لم أجبرك يومًا على شيء، ولكنني أتمنى ألا تندمي. ما حصل قد حصل، وما بينك وبين وليد أصبح من الماضي، لكنني أتمنى ألا تكوني قد أخطأت في قرارك هذا أو في حق نفسك. أما بالنسبة لهذا الشخص، دعيه يأتي كي أرى إن كان جديرًا بك."

نهضت من جانبه وأنا خائفة ومتوترة. كنت أسير في حياتي مع مازن، لكنني لم أتخيل أن ترتبط حياتي به للأبد. أعلم أنه يحبني، لكنني لست واثقة من حبي له، خاصة بعد كلام نرجس الأخير. وكان أكثر ما آلمني هو جملة "ما بينك وبين وليد أصبح من الماضي." لم أكن مدركة أن الأمر انتهى حقًا. استسلمت لقصتي مع مازن، ولكن بعد هذا الحديث، شعرت بخوف حقيقي.

أمسكت هاتفي واتصلت بمازن:

– "الجميلة!"

  • "مازن؟" – "حبيبة مازن.. كيف حالك؟"

  • "بخير.. أردت أن أطلب منك شيئًا." – "تحدثي.."

  • "هل يمكنك أن تتقدم لخطبتي؟"

سكت لحظة ثم قال: "والله يا نور، أنا أحبك، وأحبك بشدة أيضًا.. لكنني بالكاد بدأت العمل، وبصراحة، أريد أن أؤمّن مستقبلي قبل أن أدخل في دوامة زواج وأطفال. أريد السفر والدراسة، وهناك خطط كثيرة في رأسي.. ثم إنك لم تكوني مستعجلة على الزواج، ما بكِ فجأة؟"

سكتُ لحظة وقلت له: "ابن عمي تقدم لي ورفضته من أجلك."

طال صمته، ثم قال: "نور.. أنا أحبك.. ولكن كما قلت لك، لا زال أمامي طريق طويل، وأريد أن أكون حرًّا من هذه الالتزامات. إن كان ابن عمك شخصًا جيدًا، فوافقي، حتى لا أكون عائقًا في طريقك. وإن كان لنا نصيب، سنلتقي."

صدمت من ردة فعله، شعرت بأنفاسي تتسارع، أغلقت المكالمة في وجهه وبدأت أتحرك في الغرفة بتوتر. بعد قليل وصلني إشعار برسالة منه، كتب فيها: "آسف!"

وكان ذلك آخر تواصل بيني وبينه.

رميت هاتفي على السرير، وبدأت أفكر كيف سأواجه والدي بكلام مازن! غطيت وجهي بالبطانية وتظاهرت بالنوم.. أنا عادة أهرب من كل شيء بالنوم. بدأت أبكي، ثم اشتد بكائي. كنت أبكي لأسباب كثيرة متراكمة.. كان هذا الموقف كالقشة التي قصمت ظهر البعير. لو كنت أفرغ ما بداخلي أولًا بأول، أو أتكلم عما أشعر به، لما وصلت إلى هذه المرحلة. الكتمان أمر قاسٍ جدًا، يدفعنا إلى تصرفات غبية ومتهورة. بدأت ألوم نفسي، وأفكر كم أن تصرفاتي كانت غير مسؤولة، وأنني الوحيدة الملامة.. لا وليد ولا مازن مخطئَين، أنا من أوصلت نفسي إلى هذا الحد. بكيت طويلًا حتى غلبني النوم.

استيقظت بعد المغرب، وكنت متعبة ومصابة بالحمى. قبل أن أتحرك، وجدت نرجس بجانبي تقول: "هل أنت بخير؟" – "هممم.." = "قومي لتتناولي الغداء.. أمي قالت أيقظيها حتى تتغدى معنا." – "لا أريد." = "ما بك يا نور؟! هل أزعجك مازن؟"

قالتها ضاحكة، لكنها عندما رأت ملامحي أعادت كلامها بجدية: "هل أزعجك مازن؟" – "قال إنه لا يريد الارتباط حاليًا، ولن يأتي لوالدي." = "انظري يا نور، رغم أنه أحزنك، إلا أنني بصراحة أحترم صراحته كثيرًا.. لا يريد أن يعلّقك وهو مستقبله غير مضمون. إن كنتِ تودين انتظاره، فهذا قرارك، لكن الأهم أن تكوني واثقة من قرارك."

هززت رأسي دون أن أتكلم.

– "هل رفضتِ وليد من أجله؟" = "وليد لا يحبني يا نرجس.. لا يراني أصلًا.. من حقي أن أتزوج من يحبني ويختارني من بين جميع الفتيات."

ضحكت باستهزاء وقالت: "أنت لا تعرفين شيئًا.." نظرت إليها بخوف وقلت بسرعة: "تعرفين ماذا؟" – "انسِ الموضوع!" ثم استدارت ونامت.

بقيت أفكر في كلام نرجس حتى نمت مرة أخرى. استيقظت في اليوم التالي وأنا لا أزال متعبة ودموعي لا تتوقف. ولو سألت نفسي: "لماذا أبكي؟" لما عرفت ماذا أقول. كنت أبكي من تراكمات كثيرة كنت أخفيها داخلي.

أمي كانت تزورني كل حين للاطمئنان وتحاول إقناعي بالذهاب إلى المستشفى، وأنا أطمئنها أنني بخير وأحتاج فقط إلى الراحة.

قضيت اليوم كله في سريري حتى جاءني والدي ليلًا وجلس بجانبي.

– "نور!" لم أجب، ولم أرفع الغطاء عن وجهي.. لم أكن أستطيع مواجهته. – "نور.. أعلم أنكِ مستيقظة.. أعلم أنكِ لستِ مريضة.. هناك شيء يؤلمك بشدة ولا ترغبين في الحديث عنه."

خانني صوت شهقاتي، فعرف أنني مستيقظة.

– "يا حبيبة والدك.. لا تبكي من أجل أحد. كوني واثقة أن من يتركك هو الخاسر، وأنت مكسب لكل بيت تدخلينه. وأي رجل يحصل عليكِ، هو محظوظ جدًا. ثم هل تظنين أنني سأزوجك لأي أحد؟ بالطبع لا. أنتِ نوارة روحي، قطعة من قلبي، ولن أُعطيكِ لأحد إلا إذا تأكدت أنه يستحقك."

احتضنت نفسي كمن يحاول أن يلملم شتاته، وبكيت بصوتٍ عالٍ. احتضنني والدي، وبدأ يربت علي ويقرأ لي حتى هدأت. سمعت أمي تقول بصوت منخفض: "ما بها؟" فردّ عليها والدي بإشارة، ولم أعد أسمع صوتها. سمعت فقط خطواتها وهي تغادر، ثم صوت الباب يُغلق. أما والدي، فظل بجانبي حتى غفوت.

كانت تلك أصعب ليلة تمر علي. استيقظت في اليوم التالي وأنا أشعر بشيء من الخفة بعد كلام والدي. كنت لا أزال متعبة فلم أذهب إلى الجامعة، لكن حالتي النفسية تحسّنت قليلًا. وتأكدت في تلك الليلة أن روحي متعلقة بوليد منذ زمن طويل، لكن ما لا أعلمه هو: ما أنا بالنسبة له؟!

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال