رواية " أُهـديــكَ عـُــمْــــراً " الجزء الثالث

 

" أُهـديــكَ عـُــمْــــراً "






                          

الـفـصـل الثالث و الأخير

(3)




\\


سـابـقـاً ~



//


تنهد بقوة و هو يحك رأسه بيده ، مردفاً : " إذا كان الأمر هكذا ، فيجب علىّ أن اسرع ! "
تحرك خطوة أمامها ، لترفع يدها أمامه تمنعه من متابعة سيره ، هاتفة بجدية : " انتهى دورنا هنا يا وفيه ! "
رفع أنظاره نحوها مردداً : " و لكن !! "
ابتسمت بهدوء مرددة : " دورنا الأهم هما هاذان المجنونان "
مُشيرة بيدها جهة الغرفة القريبة و ضحكات ديو هى ما تتعالى هذه المرة ، ليتنهد وفيه بقوة مردداً : " أتظنى أن ريلينا ستكون بخير ؟! "
أماءت برأسها بهدوء و هى تتجه نحو الغرفة التى يتجمع فيها الجميع ، مرددة : " الإثنين سيكونا بخير "

تنهد بقوة و هو يرمقها بنظرة متفحصة على ثقتها ، قبل أن يستسلم لرغبتها و يتحرك ورائها جهة باب الغرفة ..

دون أن تتوقف عبارة عن الدوران بعقله : " أثق أنها ستكون بخير .. معك يا صديقى العنيد "
أمسك بمقبض الباب إثر دخول سالى ، ليهمس أخيراً : " و أثق أنك ستكون بخير .. معها "

الـفـصـل الـثـالـث

(3)





سارت خطواتها بطيئة متمهلة ، كأنها ترجو اللحظات أن تبطئ ، او ترجو قدميها عن الكف عن التقدم ..
أو فقط ، ترجو الواقع أن يخبرها أنه ليس واقعاً ، و أن ما نسجته فى رأسها مجرد خيال ، و أن من انتظرت عودته لسنوات طويلة ، لم يذهب عنها هكذا .. بكل صمت ..

و بلا أى اهتمام ..!!

عضت شفتيها ألماً و هى تحدق بانعكاس وجهها على زجاج نافذة إحدى السيارات المصطفة بالموقف المخصص للمشفى ، دون أن تملك ما يكفيها من القوة لتمسح الدمعات التى تبلل أطراف عينيها ، تكتمها بشكل واضح ، و وجهها قد عكس لوناً يدل على قهر مشتعل .. و حنق ، ربما ثائر !
و انكسار ..

مرت ربما خمسة عشرة دقيقة ، أو أكثر ، و هى لاتزال ثابتة بمكانها ، من يراها لا يظن أنها تنتوى الحراك حتى ، فقط محدقة بانعكاس وجهها ، و قبضة يدها اليمنى تقبض على ذراعها اليسرى بقوة ، و كأنها تستمد من نفسها القوة المطلوبة لاستيعاب الموقف

" هيرو كان لابد ذاهب ، وأنتِ تعلمين هذا الأمر ريلينا ؛ لا تدعى ذهابه يسرق ما تبقى من أنفاس بصدرك .. هو لا يستحق ! "
عضت شفتيها من جديد و دمعة تفر من مقلتيها لتنساب على وجنتها المُحمَرة ، و قبضة يدها أخيراً تحرر ذراعها لتضرب بقوة على زجاج النافذة ، و دمعاتها المتتالية تتناثر مع تهاوى رأسها نحو الزجاج ، لتضرب بيدها من جديد بكل ما لها من قوة ثائرة ، هامسة من بينها : " لماذا تُصر على ذلك !! "
تابعت دمعة الإنسياب نحو ذقنها ، و همسها يتابع : " لماذا تحاول دفعى لكرهك !! "

مع ارتجاف كتفيها و قوتها المنهارة ، أكملت بضعف : " كل محاولاتك تدفعنى للتعلق بك أكثر ، لكره ذهابك ..

.. و القسم على الإنتظار "





" كم من عمرك ستهدينى ؟ "

ارتجفت صدمة و عيناها تتسعا و بؤبؤيها تتراقصا بفزع ، و رغم ذلك دمعاتها تتابع انسيابها غير آبهة بالصوت الذى انطلق من خلفها ..
ابتلعت ما تقدر عليه من دمع و هى تتمالك نفسها ، تُغمض عينيها بذات الإنكسار ، هامسة و كأنه همس لنفسها : " عمرى كله ، و ليتك قبلته ! "

استشعرت خطوة تقترب منها ، لتضم يدها لصدرها بألم ، هامسة : " إن كنت لابد ذاهب ، فلا تتعب نفسك الآن .. يمكنك الذهاب .. بصمت "
عضت على شفتيها و دمعاتها تُجدد حرارتها من جديد ، هامسة بأخر ما يتبقى لها من صوت : " و لكن اعلم أن عمرى بين يديك ، و ربما المرة القادمة التى تعود فيها .. "
صمتت لبرهة واحدة و تابعت :

" .. أكون أنا تحت التراب "

كتمت بيدها شهقة قد تودى بحياة أمالها المتبعثرة الشبه منعدمة ، و قلبها يرفض إلا أن تتعالى دقاته و هى تستشعر خطوات تقترب منها أكثر ، رافضة أن تستدير لتواجه صاحب الخطوات ، و رافضة أن يلمح أى من ملامح وجهها التى تمهد لموت محتم .. ما إن يخطو الشخص المقترب منها بعيداً !

" أرجـــوك اذهـــب "
صرخت بها و هى تستدير أخيراً ، لتناثر دمعاتها مع استدارتها ، و تتابع صارخة : " أى موت لم أمته أنا فى انتظارك ؟!!! "
اقتربت خطوة تجاهه متابعة : " و أى موت ستهدينى إياه هذه المرة ؟! "

لمعت عينيها من وراء غشاوة الدموع ، تنهل من ملامح وجهه التى دائماً ما صبت بأعماق قلبها دفئاً خالصاً ، و لون عينيه الذى لمع أمام صراخها ، ليصرخ هو الأخر بصرخة كتمها بأعماق قلبه ربما دهراً ؛

" أُهـديــكِ عـمـرى "





ربما لم يحتمل كتمانها أكثر ، و لكن ربما هى أيضاً لم تستطع استيعاب معناها و لكن دمعاتها فعلت ، لتتوقف عن انحدارها بصدمة مهولة ، تستبدل الموت المحتم بموت من نوع أخر !
موت أنفاسها بصدرها ، حتى تظن أنها ستغادر العالم بهذيانه هذا ، و ليته يتوقف عند الهذيان !

اقترب منها خطوة أخرى ، و وجهه الذى أعلن تمرده ينقلب من صامت هادئ لمتحدث ثائر ، ببعثرة خصلات وجهه التى تحاول يائسة إخفاء لون عينيه ، بأزرقهما الدافئ سابقاً ، و المضطرب الحائر حالياً !

ارتجعت خطوتها للوراء ، و كأن الشخص الذى كانت تجاهد لأجل الوصول لشطآنه ، أعلن مد هائج ، دفعها للحنين للجزر القديم ، اقترب منها خطوة أخرى ، ليحدق بما وراء غشاوة عينيها اللامعة ، من بؤبؤى بلون الزبرجد ، يتراقصا صدمة ربما ، أو قهراً لا يريد أن يفهم !

و كأن سماءاً باتساعها امتدت بينهما ، لتعجز خطواته أو حتى يده من متابعة المسير نحوها ، و بالمقابل يهوج لمعان عينيه و كأنه بلحظة يهدم الأسوار الباردة الزرقاء ، و يترك نيران الشوق المشتعل تترجم ما يعجز عن قوله ، أو فعله !!

أو لكأنه بلحظة ، يذوب تحت نظراتها الشاكية ، و أمام بلل وجهها ، و حمرة وجنتيها و خفقات قلبها المتضاربة ، ليستفيق بلحظة واحدة أن تلك الخفقات لا تنبع إلا من قلبه هو ..

قلبه هو ..

ليحين دور شكواه المتمردة ، الحائرة .. الصاخبة الصامتة !

ابتلعت شتاتها و هى تتحرك خطوة باتجاهه و قد تصنم ، مبعثراً أنظاره بعيداً عن مرماها ، لتقترب خطوة فأخرى ، و يدها تتحدى اتساع السماء التى فصلت بين غشاوة عينيها و لمعان عينيه ، لتبتلع دمعاتها و هى ترفع أصابعها نحو وجهه ، تتحقق من كونه أمامها ، و ترجوه أن يؤكد لها ما أُلقى على مسامعها ..

لامست أصابعها وجنته بهدوء ، ليغمض عينيه و هو يحول رأسه عنها ، رافضاً أن يترك لها الخطوة القادمة ، لتصر هى و تحتضن بيدها وجهه أكثر ، راجياه أن يتطلع إليها و يُعيد قوله .. أو ينفيه !

" ماذا قُلت ؟! "

فتح عينيه أخيراً و هو يعود بأنظاره إليها ، بل إلى عينيها ، ملتقياً بأزرق عينيه وجهاً كالقمر فى طلته رغم انفعاله ، و دمعاته المتمردة ، بخصلات شعرها الذهبية المبعثرة ، التى لا تزيد ملامحها التَعِبة إلا رونقاً هادئاً ، لتنسدل أجفانه و هو يستسلم لحقيقة سُكناها بجوفه ، هامساً و كأنه يخاطب دواخله : " هى مهمة واحدة التى بقيت لى "

صمت للحظة ليجمع كلماته ، و يهمس : " مهمة واحدة فقط قد تسطر معنى الحياة برمتها ، مهمة واحدة هى التى قد تمحو حروبى ! "
حدق بعينيها لتتبين لأول مرة معنى كتمان دموعه ، و يتابع : " مهمة واحدة قد تُحيينى ، هى مهمة واحدة فقط ، أول مهمة أشعر بالخوف من الفشل فيها "

استشعرت ضغط أسنانه و قبضته تشد على نفسها ، ليقاوم صلابة تحاول أن تتفتت تحت تحديقها ، و يهمس : " مهمة واحدة أختارها بنفسى ، لتخلصنى من الموت الذى أنا فيه "

و كأن يدها تبدأ بالتصلب على وجهه ، تسحب حرارته المنفعلة ، أو تمده بقوتها ليقاوم ، أو ترجوه أن يعبر عن كل ما يعصف بداخله و يزيد من شقاءه ..
و لكن الذى لا تعرفه هو أنها بدأت تتصلب تمهيداً لمَ قد يُلقى على مسامعها من تصريح ، قد يهدم أمالاً .. أو يبنيها !

جمع شتات أنظاره من حولهما ، ليحوط بها زبرجدها ، و كمن يناجى زهرة بيضاء نبتت بوسط الجبال الجليدية ، ما لها من حامى إلا أوراقها الخضراء الندية ، و قلبها الدافئ الذى يسع دفء العالم كله رغم برودة كل ما حولها ، يهمس : " أهديكِ عمرى ، فهل تقبليه ؟
تنشق غمامتين لتشرق شمس خجِلة ، مستحية خلف أثوابها البيضاء الهشة ، متجسدة بسحب بيضاء تتحدى رمادية الغمام المتراكم فوق صدرها منذ أعوام ، و شمس تُعلن معنى شروقها لأول مرة ، متجسدة بأربع كلمات فقط وُلدوا لتوهم ، مترددين كـ صدى يهذى من حولها ، كـ ندى يلامس أرضها القاحلة التى طال انتظارها لمطر يروى ظمأ روحها ،،

استشعرت توازنها يختل و هى تغادر عالمنا ، العالم الذى ضمها بين انتظاره حتى استنفذ قواها ، تاركها تدور مع دورانه ، عساها تتيقن مما قد سمعته لتوها ، و قائل العبارة يُعيد قوله بصيغته الخاصة ، دون أن تقدر هى على سماعها ،،

فعالم أرحب قد وسعها ، مُعيداً إليها كل ما مضى من ليالى احترق قلبها وحدة ، و دمعات ذرفتها لأجل صورة تخبئها تحت وسادتها ، الليالى التى أمطرت فيها السماء ، تاركة إياها تشتاق بكل ما قد يحمل الشتاء من شوق و حنين ، تراقب أفواج المسافرين على أبواب مواسمهم ، و تتابع ذهابهم بعد المواسم ، دون أن تلمح من بينهم من يربت على حنينها ، أو يخمد أشواقها ..

أكواب الشوكولاتة الساخنة التى هرِمت تحت تحديقها ، دون أن تلامس شفاهِهة ، بانتظار من يشاركها دفء مشروبها المفضل ، أو فقط بانتظار ابتسامة دافئة تقارنها بدفء المشروب

بانتظار عيون زرقاء تبتسم .. ثم تذهب ..

كم مر من سنون ؟!
و الآن ، كم زمن يمر عليها و هى تدور مع الدنيا من حولها ؟!
لا تميز من حولها سوى ما اشتاقته خلال حروب الماضى ، و ما حنت إليه بعد إحلال السلام ..

أزرق عينيه الدافئ ، يبتسم حسرة ، يبتسم قهراً ، يبتسم ضياعاً .. فقط يبتسم

و يبتسم عشقاً !

« • »


و هو الذى صمد أمام حروب العالم ، صمد أمام مغريات الدنيا ، و أمام شوق السنين
كيف له أن يصمد اليوم و الآن ، أمام هذه النظرة التى تطل من عينيها ؟!
كيف له أن ينكر تهاوى قلبه بين ضلوعه و أمام مرآه حصاد سنوات طويلة من الانتظار ؟!

حصاد سنوات طويلة من الموت ..

و لكن ،، أوابعد نظرتها هذه من تراجع ؟!
أوابعد زبرجد عينيها الذى بالكاد يظهر بريقه يصارع بكل قوته ، من انطفاء ؟!
و بعد الأمل الذى يصرخ بالحياة فى دورانها استفهاماً ، هل من يأس يسكنه ؟!

لماذا الآن يتفطن لحقيقة انتظاره هو الأخر ؟
هل ينكر أنه قضى نفس عدد السنوات و الأيام و الثوانى ، ينتظر ؟!
ينتظر عودتها أم ينتظر عوته ؟!
أو ربما ينتظر يوم يدرك معنى الحياة فيه !

ينتظر اللحظة التى يسرع بانتشالها و هى تدور ، اللحظة التى يستقى فيها من عينيها دون اكتفاء ، و يتشرب قوتها الفانية ليستبدلها بروحه ، أجل ، يدس روحه بجوفها علها تستفيق و تنسى الموت الذى تركها مُغلفة به ..

الموت الذى تركها تحياه معه ..

أولم يحن بعد ميعاد الحياة ؟!

« • »


بدا أن الزمن قد تجمد ، رافضاً أن يحل شئ بينهما ، و رغم ذلك ، فقد جاهد نفسه و نفسها لأجل أن يتحرك خطوة واحدة باتجاهها ، و عافر أكثر حتى يتابع نحوها ، دون أن يترك لها مجالاً بالاستفاقة من حلمها المشتت الخائف من عدم الاكتمال ..

و هى كحورية خرجت لتوها من عُمق بعيد من بحر مسحور ، لا تقدر على الحراك دون أن يمهد لها الطريق أحد ساكنى هذا العالم ، و لم يكن هذا البحر سوى بحر الانتظار و الموت ، و هذا العالم ما هو إلا عالم الدفء .. و الشوق !!

كـ تنهيدة واحدة تفر من صدرها قبل إسدال أجفانها كل ليلة ، تنهيدة مُتعَبة مُجهَدة ، تحرر بها شيئاً من أمالها المقتولة ..
تنهيدة تلقائية تحررت ، ليس من صدرها هذه المرة ، و إنما من قلبها ، و هى تستشعر يدين ، ذراعين ، بل حصن كامل ، يحيطها ..

حصن دافئ يرفع أعلام النصر ، و يحيط الحورية الساحرة .. أكثر !!

فتحت عينيها ببطء ، تجاهد مع التنهيدة و قد ثقلت عليها ، تستبين المحيط و موقعه بين النور و الظلام ، و تتبين ماهية هذه الحرارة التى تتولد بتزايد متسارع مستمر ..

شئ ما دفعها لإغماض عينيها ما إن فتحتها ، و دقات قلبها تبدأ باستلام الدفة ، تتبين الشئ الذى يضم رأسها ، و الحصن الذى يحيطها فعلياً ، لتفر تنهيدة جديدة و رأسها تستقر باستسلام على كتف الشخص المحتضن لها ، متعدية كل الهذيان ، و متجاهلة كل ما قد يزيد من اضطراب ضياعها ، و فقط مستسلمة لدفء الصدر الذى يتسع لرأسها ، و الشخص الذى يضمها بشوق بدا و كأنه دفين منذ قرون !

انسدلت أجفان عينيها و جسدها يرفض أن يتحمل وزنها أكثر ، ليحمل عنها من يضمها وزنها كله ، و يشد بيده حولها أكثر ، تاركاً رأسه هو الأخر تهوى ، معترفاً بقوته الفانية بعيداً عنها ، و رافضاً أن يتمالك نبرته و هو يدفن روحه أكثر ، و كأنه يحاول أن يسكن بداخلها ، بأعماقها ..

اهتز .. و اهتزت معه خفقاته كلها ، فقط إثر قبضة يدها على قميصه ، تاركة رأسها تغوص بصدره إلى ما شاءت ، قابضة على قميصه و كأنها لا تسمح له بالهرب ، لا الآن ولا بعد ذلك ، أو لكأنها تعتصر فيه ما تحمل من شوق عانى الكثير ..

كـ فارس خرج من الحرب على شفا حفرة من الموت ، ليُفاجئ بنصره متجسداً أمامه ، لا يدرى أيبكى حاله المنهار ، أم يتراقص على أنغام نصره ..!

ضمها أكثر ، تاركاً يده تقبض عليها ، كأنه يخشى أن تنساب بسلاسة الماء من بين يديه ، أو لكأنه يخشى أن يختطفها الزمن من جديد ، أو ربما يتبدل رأيه و يعود للموت بنفسه ..

لكأنه يطلب منها أن تحميه .. أن تأخذه بصدرها ، و تمسح بيدها الحانية على جروح الماضى ..
أن تضمه أكثر .. و تصرخ بأذنه أنه يحتاج إليها أيضاً ، تُصارحه بكل ما لا يستطيع مواجهة نفسه به . جُبناً ، و ضعفاً .. و موتاً ..

أن تحتويه كطفل يطلب الأمان ، و تُهديه من ليالى العمر أجملها ، و من لحظات الزمن أعجبها ، و من بسماتها بساطتها ، و روعتها ..
ضمها لكى يُخلص نفسه من وساوسه الحالكة الظلمة ، و يستبدل أغوار قلبه بنقاء لا يسعه سوى قلبها ، ولا يشعه سوى صفاء روحها ..
تشبث بها كما الغريق حول طوق النجاة ، و كما العطش فى الصحارى القاحلة على قطرة الماء ، و كعاشق دار الكون ألف مرة ، باحثاً عن حبيبته ..

و وجدها .. بقلبه !

« • »


همسة واحدة منه كانت تحتاجها لتعود الحياة لعروقها ، نبرته فقط ما كانت تفعل أفاعيل إكسير الأمل ، و دفء الأحرف باتت كأنها قطرات الندى التى تُنعش ورود الصباح بكل شوق انحبس طوال الليل ..

و ببساطة ، كقطرة الندى ، جاءت أحرفه ؛

" أحتاج إليكِ "





ابتسمت باستسلام دون أن تتجرأ على استيعاب كل الكلمة ، فحرف واحد يكفيها لحين إشعار أخر ، لحين دفء أخر ، و لحين ابتسامة أخرى ..

" انقذينى "
همس بها و كأنه يُصرح بما يريد أخيراً ، ليتابع : " بُعدى هو الموت بعينه ، لا أرى معنى للحياة إلا بقربك "

دفن رأسه أكثر ، لتتجدد ابتسامتها و هى تشده إليها ، كـ ملاك هارب من السماء لينشر حنانه ، و ليعلم البشر معنى الدفء ..
و بدلاً من أن تكون هى الثِقل و هو من يحمله ، يجدا بلحظة أنهما معاً الثِقل ، و أنهما معاً يتحملا !!

يجد فى ضمتها نفسه ، و يجد فى اتساع قلبها له معنى الأمل ، معنى النقاء ، و الانتظار ..
يضمها أكثر و ما بقى أكثر ، و تضمه أشد و ما بقى لها من شدة ، و كأنهما يجاهدا لئلا يتفرقا و لو للحظة ، دون أن يدرك أى منهما من يلجأ للأخر فيهما ، من يبكى و من يضحك .. و من فيهم يبتسم !!
دون أن يحاولا فهم مدلولات اللحظة ، يكتفى كل منهما بالأخر ، و يقرر بدخيلته أنه اكتفى من دنياه بحبيبه

بروحه ..

ليغمض كل منهما عينيه ، و يرضيا لأول مرة بالاستسلام لما قد يحدث ، دون أن يحملا عبء معرفة أين تقودهم اللحظات أو الدنيا .. أو الطريق !

و دون أن يحمل أى منهما عبء تذكر أى شئ من اللحظات القادمة ..
أو حتى استبيان موقع اللحظة ، بين الواقع أو الحلم !!
جميلة هى الأحلام عندما نمسك بها ، و لكنها أجمل عندما نترك لها حرية التحليق حولنا
و رائعة هى الأمانى عندما تسع الكون كله ، و لكنها أروع عندما تتمحور حول حلمنا الأكبر ، فتزداد تألقاً ، و بهاءاً ..

و يزداد شوقنا لذاك الحُلم !


اضطربت أجفانها و كأنها تُعاند شعاع النور المداعب لها ، لتتقلب على جانبها الأيسر متململة ، ترجو الشمس أن تُبعد حرارتها الخفيفة عن وجهها ، و تدعها تتابع رسم أحلامها الندية ، تجاهد لأجل أن تُزيد على أحلامها مشهد أخر ، أو ابتسامة واحدة تُشبع بها شوقها ..

فتحت عيونها ببطء لتقابل لون الوسادة الوردى ، و امتداد الفراش بلونه الزاهى ، و تابعت أنفاسها الهادئة وتيرتها المترددة بصدرها ..
أغمضت عينيها من جديد تحاول تذكر البارحة ، أو تجميع شتات الليلة الماضية حتى ، أو وضع حد فاصل بين الحقيقة الواضحة و الأحلام العاشقة ..
و لكن كيف نفصل بين واقع الشوق و أمانيه ؟!
أواليست كل لحظة شوق حُلم ؟ و كل حُلم شوق ، واقع ؟!

بعثرت أفكارها و هى تعتدل جالسة ، ترفع خصلات شعرها بحالتها الفوضوية من أمام ناظريها ، و تتابع تحديقها بالفراش المجلو بشعاع الشمس الصباحية الباكرة ..
تنهدت بخفة و ابتسامتها تآبى أن ترتسم فى صباح كهذا ، و كأن حيرتها حول الواقع و الحلم تأخذها رغماً عنها إلى البعيد ..

تحركت بهدوء عابرة بالمرآة دون أن ترمقها حتى بنظرة واحدة ، رافعة الستائر الحريرية عن النافذة و متشربة نسيم الصباح المُزين بخيوط الشمس الذهبية ، لتستدير بعد برهة قاصدة باب الغرفة ، و من بعده إلى الخارج ..

و كأن صوت خطواتها على الدرج الذى يصل بين الطابق الأول و الثانى بالمنزل هو فقط ما يعزف معها سيمفونية الصباح ، و بقدر ما عشقت هدوء الصباح هذا ، خاصة و هى وحدها بهذا المنزل الواسع ، إلا أنها اليوم لا تستسيغ لهذا الهدوء طعماً ، و لا لوناً !

ترمى نظرات بأركان غرفة المعيشة التى ربما كانت دافئة حين وسعت أحلامها ، و تتفحص صالة الإستقبال الواسعة التى ضاقت على أمانيها الحالية ، فقط أمانى ترجو أن تتبين موقعها بين الحلم و الواقع !!

أتهتدى أخيراً أن كل ما صاغته ذكرياتها عن البارحة كان من نسج خيالها الواهن ؟!
أم تبقى مُعلقة بأمل حزين ، أن يأتى اليوم الذى تتيقن من تفاصيل الشوق المدفون بأعماقها ؟!

لماذا كل شئ من حولها لا يؤكد ولا ينفى أين كانت البارحة و مع من ؟!
زيها العسكرى صحيح انه مُعلق بغرفتها ، و لكن أوليس هذا بزيها أغلب الأيام ؟!
هل ترفع سماعة الهاتف لتتسائل عن ديو و هايلد ؟! تتسائل من طل عليهم فى المشفى و من لم يظهر له وجوداً ؟!

أو .. هل كانا بالمشفى حقاً ؟!


نحن نعانى عندما نكون بانتظار لحظة جميلة ، و لكن هل يتوجب أن نعانى أضعافها عندما نحاول أن نتيقن إن كنا قد عِشنا هذه اللحظة أم صيغت لنا ؟!
إلى أى مدى الشوق مُحير ؟!
و إلى أى مدى جنوننا ؟!

خنقت دمعة تهدد عينيها بالبلل ، و اقتربت بهدوء من نافذة صالة الإستقبال المُطلة على الحديقة التى فى أحلامها كانت دافئة ،، لتستند بيدها على حافتها و برأسها على إطارها ، تحاول استبيان سعادتها من شقائها ، و الدفء الخفى المتسلل لقلبها رغم ضياعها ، تنهدت بغصة فى حلقها و هى تترك لمزاجها إعلان حالته ..

[ مِـزاجُ ] ؛ بـ عُـمـق الـلـيـل و هـدوء الـصـبــاح ،،
و تـمــرد بـ رائـحــة الـمـطــر و شـقـاوة الـخـريــف !!


كيف جمعت حالتها النفسية بهذا التوقيت كل المتناقضات ؟!
و كيف تقدر الآن بعدما نهلت من حلم البارحة دُنا كاملة من الدفء ، أن تتجاهلها و تمضى فى طريقها ؟!

أهى بداية لانتظار جديد ؟!

ابتسمت بحسرة و دمعتها تنساب أخيراً ، علها تخلصها من بعض الألم المستكين ، و هى من ظنت أنها أخيراً ستهجر محطة الانتظار بكل ما فيها من وحدة ، و تُهلل أفراحها و قطارها قد دخل بمرماها ..

و لكن ليس كل محطة نهواها موجودة على خريطتنا ، فربما بعض المحطات أحلك من الليل ..

و ربما أكثر سحراً .. من أحلامنا !

« • »


كلوحة بيضاء مُعلقة على جدار أبيض ، يعكس بياضها معنى الأمل ، و الرتوش المبعثرة فيها بتداخل اللون الذهبى ، يعكس تبعثر خصلات شعرها بحالته التلقائية ، يدها المستندة إلى حافة النافذة مع رأسها ، و انكسار وقفتها و كأنها على وشك توديع أمل مقتول بين أحضانها ..

و لو أن اللوحات لها وجهاً و ظهراً ، لانعكست دمعات براقة على الجانب الأخر ، تنساب على بشرة وردية بيضاء ، من عيون تتحدى صفاء السماء و وهجها ..

و لامتدت يد الفنان راسم اللوحة نحو باقى أقلامه ، ليضيف صدى الصوت الخفيف الذى يصدر من الخطوات المقتربة من جميلته الساكنة ، و كأن الخطوات تخشى أن تُزعج بياض اللوحة ، فتتقصد خفتها و هى تقترب من ذات الموضع الذى يتمحور حوله الواقع ..

أو الحلم !!

« • »


" ألفتُ منكِ الأمل ، و مهما تساقطت من محاجرك نجمات لامعة ، يبقى فيكِ ضىّ الحُلم "

تمالكت أنفاسها و هى تثقل بصدرها فجأة ، لتضم يدها نحوها لتخفف وقع النبرة عليها ، مغمضة عينيها كما هى ، و أجفانها تضطرب خشية أن تعود للواقع فتدور الكرّة من جديد !!

خشية أن تعود للواقع ، فيتلاشى من جديد !!

و لكن بدا أن النبرة و صاحبها لا يأبها لمناطقها ، ليتتابع على مسامعها ؛
" جسدتُ فيكِ الحُلم ، و كل شروق غدا يعكس صورتك "

أحكمت إغلاق عينيها و الخطوات تقترب منها أكثر ، تستشعرها رغم خفتها ، و تجاهد لأجل تكذيب حدسها ..
ضمت يديها لصدرها أكثر ، تقاوم عنف أنفاسها و هى تستشعر تغير فى الحرارة حولها ، أهو دفء جديد يطغى ؟! أم حرارة الشوق تحترق ؟!

سرت رجفة بجسدها و استشعارها لأصابع ترتفع نحو خصلات شعرها يزيدها شوقاً ، أى نوع من الأحلام هذا الذى يتجسد حقيقة نشعر بها لهذا الحد ؟!
و أى خيال قد نشعر بانامله تتخلل خصلات شعرنا ؟!
أى خيال قد ترى إن فتحت عينيها ؟!

كتمت أنفاسها و هى تقرر إشباع ناظريها من شبح أوهامها ، و كأنها تلبى رغبة اليد التى تداعب جانب وجهها ..
صدقاً ، بأى لحظة قفز من مخيلتها أجمل مما قد تتخيله ، و أقرب مما قد تظنه ؟!
أى مباركة تلف شعاع الشمس لتحتويه و تزيد من ملامحه دفئاً متألقاً ؟!
أى ملاك تنازل عن ابتسامته له ؟! و أى معنى للجمال يتجسد بتلك الابتسامة ؟!

تابعت أنامله مداعبة خصلاتها ، و كأنه يرجوها أن تبتلع ملامحها المندهشة و تتركه ينهل من جمال عينيها ما يشتهى !
اضطربت شفتيها تلجلجاً و أنظارها تحتوى وجهه بالكامل ، تبادله اشتهاء الشوق فى نظراتهما ، ليقطع عليها ما سيبدأ بنسج خيوطه الواهية برأسها من أوهام ، و هو يقترب المسافة الفاصلة بينهما ، و نبرته تعكس ما فى عينيه من إصرار جاد ؛

" دعينا نذهب ! "

تلجلجت شفتيها من جديد صدمة ربما مما لا تفهمه ، لتكسر قواعد الصمت و تهمس ببحة صوتها : " ماذا ؟! "
مال نحوها لتلفحها أنفاسه و تضطرب أجفانها رغبة فى الإنغلاق و تناسى الدنيا كلها ، ليهتف بذات نبرته : " دعينا نذهب .. بعيداً "

قفز قلبها من مكانه صارخاً ، أى جزيرة أحلام تفتح مصارعها لها ؟!
و لكن شفتيها رفضتا الاستسلام لصراخه ، لتُسرع مدافعة : " أى هذيان تقـ... "
و لكن إصبعه كان أسرع من عبارتها ، ليمنعها من إكمال كلماتها ، واضعه على شفتيها و عينيه تُعلن تحديقها بزبرجدها ، مردفاً : " لا أهذى "

انقلبت نظرته الصارمة لأخرى هادئة ، و إصبعه يتلمس شِفاهِهة بنعومتها ، هامساً : " إنها الحقيقة الوحيدة التى أصدقها الآن "

طرفت بعينيها و هى تُبعد إصبعه ، مُديرة أنظارها عنه و هى تردف : " أنت تعلم أننى أضحى بالعالم كله لأجلك .. "
انكسرت أنظارها همساً : " و لكنك إن ذهبت عنى بوقتها ، أنا سـ... "
عاد إصبعه بسرعة يقطع عبارتها ، مانعها من إتمام ما تريد ، لتعود بأنظارها نحوه بنظرتها الشاكية ، تمسك بيدها يده بإصبعه الذى يمنعها من الحديث ، متشربة حرارته و هو يلمح بلل بأطراف عينيها ، ليقطعها هامساً : " لا تقوليها ريلينا "

شدت على يده بألم و هى تهمس : " لابد و أن تعلم "
طرفت بعينيها تحاول تشتيت لمعانها ، لتعيد محاولتها فى الحديث : " إن ذهبت عنى من جديد ، لن ينقذنى شئ من المـ... "

" أقسم أننى لن أذهب "


جاءتها كسيف قاطع ، يقطع الشك باليقين ، ولا يترك مجالاً لأى وهم بالحلول بينهما ، مائلاً نحوها بما يكفى لتغوص بأزرق عينيه و تنسى عالمها كله ، لتشرد بحرارة أنفاسه و تنسى أن تتنفس !
ابتلع شتات عبارته الأخيرة ، ليتابع : " لا الآن ولا بعد ذلك "
استسلمت لدمعتها لتنساب كما تشاء ، و لكن يده منعت هطولها ، ليمسحها بأصابعه مردفاً : " اكتفينا من هذا العالم ريلينا "

عاد إصبعه يداعب وجهها الذى تكسو حمرته بياضه ، و يردف : " لا أريد لنا سوى الذهاب "
هوى قلبها من جديد ، تكاد تفقد قدرتها على تمالك وزنها ، هامسة : " نذهب ؟! "
لاصقها و كأنه يحتضنها بأنفاسه و أنظاره ، هامساً : " وحدنا "

رفع أنظاره نحو عينيها ، ليلتقيا بأنظارهما بوسط المليمترات ، و كأنهما عاشقان يلتقيا بمحطة بمنتصف الطريق ، كل منهما كاد يتابع طريقه ، لولا الزمن الذى توقف لكل منهما داخل مجال الأخر ..
ليسرقا من بين طيات العالم الذى طال بينهما لحظات كفيلة بأن تمسح على ألم الماضى كله ..
شد على يدها التى تضمها لصدرها ، هامساً باسمها و كأنه يرجوها ألا تكسر ما يولد من أمل الآن ، بقلبيهما معاً ؛

" ريلينا "

انكسرت مخاوفها تحت لون عينيه العميق ، لتبتسم رغم الدموع المتبعثرة بعينيها ، لترسم لوحة ملائكية شقية بابتسامتها ، هاتفة بدلالها الخفى : " نذهب .. إلى أين ؟! "

تهلل أزرق عينيها و هو يرى احتواء عينيها له ، مُجسدة أمالها كلها فيه ، و تاركة بين يديه صياغة أحلامها ، دافعاه لأن يعدها بأن يحملها فوق السحاب ، و يتعالى بها فوق كل الجسور
ليرسما معاً طريقاً لم يحلما به ، و ما تكون الأحلام أمام نظرتهما ؟!

ابتسم لتعلم حبيبته معنى وسامة الفرسان ، و تتيقن من جمال الشوق الذى ينساب حولهما ولا يزيدهما إلا تسامياً فوق الدنيا ..
تمالك ابتسامته و هو يرغب بضمها إليه خالصة لنفسه ، هامساً بندى الأحرف كلها ، و كأنها بُتيلات ورود الجورى بأرض لا نهاية لخضرتها ؛

" إلـى الـقـمـر "


/\/

أو لـكـأنـهـا قـطـرات الـمـطـر الـدافـئـة الـتـى تـزيـد أحـلامـنـا سـحـراً ، مـحـدقـيـن مـن وراء زجـاج نـوافـذنـا ، و مـتـرقـبـيـن نـجـمـات تـلـمـع عـنـد الـهـمـس بـدواخـلـنـا الـمـنـتـظـرة
لـكـأنـهـا أرض الـقـمـر الـبـعـيـدة ، لا فـيـهـا سـوى هـدوء و صـفـاء ، لا فـيـهـا سـوى عـاشـقـيـن ضـحـيـا بـالـعـالـم كـلـه ، و اخـتـارا الـبـقـاء مـعـاً
رمـيـا ورائـهـمـا فـواصـل بـاعـدت بـيـنـهـمـا بـمـا فـيـه الـكـفـايـة كـمـا ظـنـت ، و لـكـنـهـا صـدقـاً و واقـعـاً ، لـم تـزيـدهـمـا إلا تـرابـطـاً ، و تـسـامـيـاً فـوق حـدود الـدنـيـا

اخـتـارا الـقـمـر
حـيـث فـى بُـعـده جـمـال ، و بـقـربـه صـفـاء
و مـن حـولـه أيـنـمـا نـظـرت ..
فـضـاء ، أرضـه ؛ [ سـمـــــــــاء ]






أُهـديــكَ عُـــمْــــراً

تــمــت

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال