رواية " أُهـديــكَ عـُــمْــــراً "الجزء الثاني

 

" أُهـديــكَ عـُــمْــــراً "






                           

الـفـصـل الثانى

(2)



\\


سـابـقـاً ~



//


" دييووو !! "

انطلق الاسم من بين شفتي هيرو ، لتعود بأنظارها نحوه و هو يسرع بخطوات واسعة نحو باب الغرفة ، دافعاً الباب و مسرعاً نحو الداخل ..
قامت من مكانها فزعاً و هى تتبعه ، لتقع أنظارها على ديو بجانب فراش هايلد على الأرض ، مغشياً عليه و بقعة حمراء تظهر على صدره من خلال ملبس المشفى الذى يرتديه ، تزداد مساحتها بشكل مُخيف ..

اضطربت أنفاسها هلعاً و هيرو ينحنى نحوه ، حامله بين ذراعيه و مستديراً نحو الباب ، أسرع بخفة و ثبات و ريلينا تلحقه ، ليقف فجأة و يستدير نحوها هاتفاً بحزم : " لا تتحركى من هنا "
توقفت بمكانها دهشة و هو يعود يتابع طريقه نحو أخر الممر ، تاركها تدعو من أعماق قلبها أن تلطف السماء بصديقيها ..

الـفـصـل الثانى

(2)




ترددت خطواتها يمنة و يسرة قبل أن تظهر سالى من أخر الممر ، أسرعت ريلينا نحوها بشئ من القلق متسائلة : " ما الذى حدث ؟! كيف هو ؟! "
أماءت برأسها بهدوء مردفة : " لا تقلقى ، أجرينا له عملية جراحية بالأمس و ما كان عليه أن يتحرك من الفراش "
رفعت يدها على كتف ريلينا معقبة : " تعدت الساعة الرابعة فجراً .. تحتاجين لقسط من الراحة "

قبل أن تفتح فمها لتعترض ، ظهر هيرو من وراء سالى مردفاً : " أنا سأتولى أمرها "
التفتت سالى نحوه متمتمة : " أنت أيضاً لابد أن تنل قسط من الراحة "
قابلها بملامح جامدة كعادته ، لتتابع : " و استغلالاً لوجودك بالمشفى ، وافينى بقسم الأشعة بعد ساعة للكشف على إصابتك "

طل شئ من عينيه ربما كانت شرارة ، لتتنهد سالى بشئ من اليأس و هى تتمتم : " حُكم علىّ أن أكون طبيبة لخمس جنود عنيدين و أميرة لا تقل عنهم عناداً "
تحركت من بينهما مردفة : " سأعود لمتابعة ديو "

استدارت عنهما مبتعدة بخطوات هادئة ، لترفع ريلينا أنظارها نحو هيرو بشئ من القلق ، مردفة : " هل هو بخير ؟! "
أماء برأسه هاتفاً : " تحرك قبل أن يلتئم جرحه "
تنهدت بقلق ، ليهتف : " هيا بنا "
رفعت رأسها نحوه و هو يستدير عنها ، معقبة : " أنا لن أغادر المشفى "
لم يتوقف عن خطواته مجيباً : " ولا أنا "
ارتسمت ابتسامة على ثغرها ما لبثت أن اختفت سريعاً و هى تسير من ورائه حتى وصلت لحذاه ..

توقف بعد طابق واحد أمام غرفة مُغلقة ، ليمد يده نحو المقبض يُديره و هو يتحرك من أمام الباب ، خطت ريلينا من جانبه لتعبر إلى داخلها ، توقفت بوسطها و هى تُدير أنظارها بها ، هاتفة بشئ من الدهشة : " ما هذه ؟! "
أغلق الباب من ورائهما و هو يجيب بهدوء : " غرفة مُخصصة لراحة الطبيب المُناوب .. سالى سمحت بالبقاء فيها "

حررت نفساً هادئاً و هى تتفحص أركان الغرفة ، فراشاً بسيطاً يتوسطها ، ثلاثة مقاعد بأحد الأركان ، و نافذة صغيرة تطل على الحديقة .. ابتسمت بهدوء مُردفة : " تبدو غرفة مُريحة "
اتجهت نحو النافذة تُلقى بأنظارها من خلال الزجاج ، تبحث بعينيها عن نجمات مستترة ، ارتسمت ابتسامة ملائكية على وجهها و هى تلمح ما أرادت ، شئ ينشر الأمان بجوفها و لو للحظات ، ضمت يديها لصدرها هامسة : " عاد "

انحجب عنها انعكاس الغرفة على الزجاج ، ليحل محله انعكاس أخر ، يفعل ربما فعل النجوم و أشد ، و لكن بلحظة مماثلة ، لم يفعل سوى أنه عمق إحساسها بالسكون و هى تحدق بالنجمات البعيدة ، و دفء خاص يحيط خصرها ..

ابتسمت من جديد و هى تستند برأسها على كتفه ، تترك ثقل جسدها يحمله عنها و هى تهمس : " شكراً لك "
أحكم يده حول خصرها و هو يهمس : " على ماذا ؟! "
أغمضت عينيها مردفة : على عودتك .. حتى و إن كنت لتذهب من جديد "

فر نفساً قوياً من صدره و هو يهتف : " يجب أن ترتاحى قليلاً "
تحرك مليمترات قليلة يحثها على استعادة تماسكها ، هامساً بأذنها بنبرة تخشى أن تفقد مقاومتها الجادة : " سأكون بالخارج إن احتجتِ لشئ "
بقى كما هو دون أن يحررها من قبضة يده للحظات بدت طويلة قصيرة ، قبل أن تقرر هى أخيراً استعادة وزنها و هى ترفع رأسها نحوه ، رفعت أنظارها نحو عينيه ليلمح كل ما تُخفيه من إجهاد ، شده سحر بسمتها الخافتة ليبقى كما هو دون أن يملك القوة الكافية لتحريرها ، و كأنهما للحظة قد فارقا المحيط ، و لم يأخذا معهما سوى نظرات دافئة زرقاء تعانق أخرى زبرجدية ..

ابتلع أنفاسه بصعوبة و هو يرفع يده الأخرى نحو خصلات شعرها ، هامساً : " أنـ..ـا .. "
حدق بها أعمق و ملامحها تزداد إرهاقاً .. و كأنه للحظة يشاهد أحداث خمس سنوات من الإنتظار على وجهها .. ليس إرهاقاً من هم عالم وحده ، و إنما من صبر لم يُهديه أحدهم إليه من قبل ، عاد يبتلع أنفاسه مكرراً محاولته فى الهمس : " أنـ.. ـاا .. "

تلخص معنى صبرها بلحظة واحدة ، و ابتسامتها الملائكية تعود للارتسام باستسلام تام على وجهها ، لترفع يدها نحوه ، بإصبع واحد فوق شفتيه ، و نظرة طفولية تطل من عينيها ، تمحو بطلتها معاناته بخلال حروب الدنيا كلها ، و ضياع بعد حروب و تشتت لا يدرى بأى حيرة يعود لمأواه ..
أغمض عينيه للحظة و كأنه يتشرب معنى صمتها ، يكفيه أن يبقى مًغمض العينين طالما أنها بقربه ، شئ يربط بينهما حتى لو لم يُصرح بكلمات تحتويهما ..

عادت تستند برأسها إلى صدره ، هامسة : " إن وعدتك بأن أنل قسطاً من الراحة ، هل تعدنى أن تذهب لسالى للكشف على إصابتك ؟! "

هى تعلم كيف يكون عناده عندما يتطرق الأمر للإهتمام بنفسه ، و تعلم كيف من الصعب أن يقطع وعداً و لو بسيطاً .. و رغم ذلك ، فلم تهتم سوى بإغماض عينيها و الإستماع لضربات قلبه القوية و هى تتردد بصدره ..

" أعدك "

انسلت يدها بهدوء لتستقر على صدره ، و هى تستند بثقلها إليه ، ترتفع على أطراف أصابع قدمها لتصل لشئ من طوله ، و بكل خفة تقترب من خده لتطبع قبلة هادئة ، طويلة .. دافئة ..

هل توقفت الأرض عن الدوران بهذه اللحظة ؟!
هو لا يدرى .. و لكن كل النظريات الفلكية و الإحداثيات الكونية قد هُدمت أمام قُبلتها ، تاركاه يُغمض عينيه باستسلام .. كيف فكر يوماً فى الهرب من هذا المأوى ؟!
كيف طاوعته نفسه على الرحيل ، و دنيا كاملة ، عالم بأكمله يسعه فى قربها ؟!

ارتجفت يده حول خصرها ، لتبتعد عنه بهدوء و ابتسامتها المُرهقة لاتزال مُرتسمة ، هامسة : " لا ترحل قبل أن تخبرنى "

ابتلع شتات كلماتها و هو يحاول كبت دمعة قد تخرج من جوفه إن طال تحديقها به .. كيف تحملت كل هذا من ورائه ؟!
كيف صبرت على ذهابه لخمس سنوات دون أن يلوح أى أمل منه ؟!
و الآن .. كيف ترضى بواقع أنه سيذهب عنها من جديد ؟!
أى ملاك هارب من السماء هى ؟!
و أى سماء تحتوى قلباً كقلبها ؟!

انسابت يده من حولها بخفة و هو يمنع نفسه من مبادلتها النظرات ، أو حتى الإبتسامة .. ليتحرك خطوة عنها و هى تتمالك قوتها بإرهاق جلىّ .. ليتجه جهة الباب تاركها تستدير نحو الفراش .. راجياً بأعماق قلبه ألا تلمح خطواته المهتزة و أنظاره المشتتة من حوله .. أو لمعان عينيه !

اغلق الباب بهدوء و هو يستند بيده إليه من الخارج للحظة واحدة ، قبل أن يعود قناعه الجامد يسيطر على ملامحه ، و يوجه خطواته نحو مكتب الطبيبة الجندية سالى ..
تحرك من مكانه ليستقيم واقفاً و هو يُغلق أزرار قميصه ، رفع أنظاره نحو سالى و هى تُقلب بين لقطات لأوضاع عدة على الجهاز أمامها ، ليهتف : " كيف الوضع ؟! "
أماءت برأسها و كأنها تصب انتباهها على ما تفعل ، مرددة : " تحسنت كثيراً "

زفر نفساً حاداً مردفاً : " تعلمين أنكِ لستِ بحاجة لإخفاء الأمر عنى ! "
رفعت أنظارها من فوق الشاشة لتبتسم مرددة : " أعلم هذا ، و لا داعى للقلق ، قوة تحملك كعادتها ممتازة ، و ربما لو كان المُصاب شخص غيرك لحسبناه بعداد الموتى "
زفر نفساً حاداً و كأن شئ ما يدور برأسه ، قبل أن يسأل بشئ من التردد : " هل ستكون الإصابة عائق أمام أى مهام أخرى ؟! "

طرفت بعينيها و هى تعود بأنظارها نحو الجهاز ، هاتفة : " فى الواقع ، لايزال الأمر باكراً على الجزم .. و لكن كل ما أستطيع تأكيده الآن أنك بحاجة إلى فترة من الراحة "

أماء برأسه و كأن إجابتها لم تُشفى تساؤلاً بداخله .. قبل أن يقوم من سرير الكشف و يتجه نحو الباب بشئ من التردد ، أمسك بمقبضه قبل أن يستدير نحوها ليرمقها بنظرة مختلفة ، و دون أن ينتظر منها سؤالاً ، هتف بشئ من الجدية : " ما خطب ريلينا ؟! "
طرفت بعينيها مرددة : " ما خطبها ؟! "
شد على قبضته هاتفاً : " و كأنها زهرة رحيقها ينضب "
طرفت من جديد بعينيها قبل أن تستند برأسها على كف يدها ، مُتمتمة بشئ من القلق : " أخشى أن ما بها ليس بيد الأطباء "
ضاق بؤبؤيه بشئ من الصمت ، مردفاً : " ماذا تقصدين ؟! "

رفعت أنظارها نحوه بنظرات تخترقه ، هاتفة : " أقصد أننى أنا من يجب أن يوجه إليك هذا السؤال .. ما خطبك مع ريلينا ؟! "
اتسعت حدقتا عينيه من جديد ، ليبتلع ريقه بصعوبة ، و تعود هى تهتف : " لا تُلقى اللوم على سواك "
تحركت من أمام كرسى مكتبها ، لتدير إليه ظهرها ، مرددة : " إن أردت التحدث بصراحة فيمكننا ذلك ، أنت لست غبياً و تعلم جيداً ما خطب ريلينا ! "

ساد صمت طويل دون أن يقطعه شئ ، قبل أن يصل لمسامعها صوت فتح باب المكتب و إغلاقه من جديد ، لتستدير تحدق فى المكان الفارغ ، و تنهيدة قوية تفر من صدرها ..

عادت تجلس إلى كرسى مكتبها و أنظارها تقلب بين الصور المُلتقطة لإصابة الشخص الذى غادر الغرفة منذ لحظات ..
وصل لمسامعها صوت طرقات خفيفة على باب المكتب ، لتهتف : " تفضل "
انفتح الباب بهدوء و طل منه وجه كواتر ، مبتسماً بلطف مردداً : " صباح الخير ، كيف الحال ؟! "
ابتسمت براحة مرددة : " مرحباً بك يا كواتر ، هل آتى الصُبح بعد ؟! "
فتح الباب على مصراعه ليطل من ورائه تروا و وفيه ، و أحدهما يهتف : " ستشرق الشمس بخلال ساعة "

ابتسمت سالى و هى تقابل بسماتهم اللطيفة ، لتعقب : " تفضلوا ، جئتم بوقتكم "
أغلقوا الباب إثرهم و هم يتخذوا مقاعد متناثرة فى المكتب ، ليهتف كواتر : " كيف حال ديو الآن ؟! "
أماءت سالى برأسها مردفة : " لو كف عن مقاومته للفريق الطبى سيشفى سريعاً .. و لكن على من أتحدث !! "
ابتسم تروا بخفة معقباً : " لا تُجهدى نفسك فى شئ مستحيل ! "
تنهدت بإرهاق مردفة : " معك حق "
تحرك وفيه ليقترب من مجلس تروا ، مردداً : " إذن ، لماذا جئنا بوقتنا ، هل ديو أو هايلد بخطر ؟! "
رفعت رأسها و كانها تنبهت لشئ ما ، قبل أن تعقب : " لا .. أبداً "
صمتت لبرهة متابعة : " لم أقصد أى منهما .. "

رفعت أنظارها و الثلاثة محدقين بوجهها ، لتهتف بقلق واضح : " بل أقصد .. هيرو "

ساد صمت طويل فى المكان ، قبل أن تحرر نفساً قوياً و نبرتها تنقلب لأخرى جادة ، مرددة : " بأخر مهمة كان فيها .. أُصيب بكتفه .. إصابة قوية "

« • »


رغم بصيص النور الذى تسلل عبر النافذة الزجاجية ، إلا أنه قد فشل فى رسم ملامح الغرفة كاملة ، و كأنه بصيص خافت يتلصص على ما يحدث بداخلها ، أو لكأن النور أيضاً يشتاق لنبرة صوت أحدهم و هو يهمس بكلماته خشية إيقاظ سكون الغرفة ..

" أهديتِنى صبراً لن يفهمه سوانا "
همس بها و قد ركع على ركبتيه بجانب الفراش ، شاداً على يدها الدافئة بهدوء ، و عيناه تتشربا أشعة النور الواهنة التى تحيطهما ، لينعكسا بلون أزرق يشابه لون السماء حينما يطل البدر ..
عاد يشد على يدها من جديد متابعاً : " لماذا ؟! .. لماذا تُصرين على هذا العذاب ؟! "

قرب وجهه من يدها ليطبع قبلة هادئة ، هامساً : " لا أستحق انتظارك "
تاركاً وجهه يُدفن بكف يدها ، و نبرته تتقطع : " إلى أى مدى أجهدك غيابى ؟! إلى أى مدى كرهِتى قسوتى ؟! "
صمت لبرهة قبل أن يتابع : " أنا غبى .. أعلم هذا ، و لكنى يا ريلينا لا أستطيع "
رفع وجهه مليمترات قليلة يتشرب من ملامحها الساكنة النائمة ، و هو يعود يهمس : " أنا ضعيف "

دفن وجهه من جديد بيدها ، مردداً : " أنا حولك دائماً ، و لكن لا أقوى على الظهور "
عاد يصمت بشئ من الثقل الحائم حوله ، قبل أن يتفطن لحديثه و يبتسم ساخراً بضعف جلىّ : " بأى حجج أتعلل !! "

رفع وجهه لمرة أخيرة نحوها ، و يده ترتفع نحو خصلات شعرها يُنحيها من أمام عينيها المُغلقة ، مُتابعاً أنفاسها الهادئة و هى تتردد بصدرها ، و هامساً : " كلما نظرت إليكِ .. أشرقت شمس جديدة ، و تسائلت للمرة الألف ، أى ملاك أنتِ لتنتظرى شخصاً لم يعترف يوماً بالإنتظار .. أنتِ ملاكاً أهدته السماء إلىّ ، و لكنى جبان يخشى أن يُلوث هذا الملاك بخطاياه ، بقسوته .. برحيله "
ارتسمت ابتسامة هادئة على محياه ، ليتابع : " أنا حولك .. دائماً أنا حولك .. "
تشتتت ابتسامته الواهنة و هو يهمس : " حتى و إن ظننتنى بعيداً ، سأبقى حولك ريلينا "

انحنى برأسه نحو أصابعها ، يطبع قبلة أخيرة همساً ، قبل أن يستسلم لحرارة يدها ، و يغمض عينيه باستسلام لسكون أنفاسها .. و ابتسامتها الخافتة التى اقتبست ملائكيتها من السماء ..
و اقتبست صبرها .. من رحيله !!

« • »


ابتسمت بشئ من النعاس الثقيل الذى يفرض نفسه جبراً ، و نور الشمس يتسلل من النافذة بخفة تداعب الفراش .. أو سكونه ..
لم تحرك يدها خشية إيقاظه ، مبتسمة لمظهره و قد ارتاح برأسه بكف يدها ، تاركاً خصلات شعره تتمرد و تتبعثر بحرية بين أصابعها ..
إحساس بالطمأنينة غزا قلبها لعمق بعيد ، و يدها الأخرى تتحرك ببطء لتنساب بين خصلات شعره ، مستشعرة حرارته الدافئة ، و مستنشقة عبيره و هى تميل برأسها لتطبع قبلة هادئة على جبهته ، هامسة : " أريدك معى .. لا حولى ! "

ابتعدت عنه تتشرب من ملامحه التى ما رأتها مستكينة هكذا قبلاً ، و كأنه بلحظة التخلى عن الحروب ، يعود طفلاً طالباً الأمان .. بكف يدها !
ابتسمت من استسلامه و نظرة حانية تدور بعينيها ، متمنية أن يبقى الوضع كما هو .. و رأسه تبقى بكف يدها .. للأبد إن شاء ! ~

فتحت عينيها ببطء كأنها ودعت أحلامها منذ وقت ، و لم يبق إلا أن تواجه الواقع ..
حدقت بالفراغ أمامها للحظات طويلة ، قبل أن يتحرك بؤبؤا عينيها نحو طرف الفراش بجانبها

لا شئ ..

و كأنها أخيراً استفاقت من نومها ، لتنتفض بجزع مُديرة أنظارها من حولها ، كأنها تبحث عن كنز ضائع منها ، أو تحاول استقراء المكان و الزمان الذى رُميت بقلبه ، ضمت يدها التى لايزال دفء يسيطر عليها إلى صدرها ، مقاومة أنفاسها اللاهثة المرتجفة ، و نظرة جزع تملأ عينيها بزبرجدهما ..

« • »


" اسمعينى سالى ، لا تتوقعى منى أن أتحدث بلطف ! "
ضرب بقبضة يده على المكتب أمامها ، متابعاً : " كونه يختار طريق الموت بكل مرة لا شأن لى به ، فليذهب للجحيم إن أراد ، و لكن أن يختار الطريق لهما سوياً هذا ما لن أقبله !! "
طرفت سالى بعينيها مرددة : " و ما الذى قد يعنيك بأمر كهذا ؟! "
صك على أسنانه هاتفاً بحزم : " حاربت طوال حياتى لأجل العدل ، و لن أقبل أن يُظلم كائن على وجه الأرض مادمت على قيد الحياة ، أياً كان شكل هذا الظلم ،، يعنينى أمر ريلينا كونها واحدة منا ، كنت أظن أننى اكثرهم بروداً فى المشاعر ، و لكن جاء هيرو ليؤكد لى أننى لا أزال إنساناً ، و هو من لا يعترف بشئ من الرحمة !! "
شد على قبضته متابعاً : " ريلينا اختارت طريق الانتظار و لها الحرية ، و لكن أن تختار طريق الموت عند ذهابه ، هذا ما يجب أن نمنعه بالقوة !! "

صكت سالى على أسنانها هاتفة : " لا تدور حول مقصدك يا وفيه ، هل يعنيك أمر ريلينا لأجل منصبها أم لأجلها كصديقة مُقربة ؟!!! "
تنهد بقوة مردفاً : " لا تُثيرى جنونى يا سالى ، فليذهب المنصب للجحيم ،، يعنينى أمر ريلينا كما يعنينى أمر باقى الأصدقاء ، و لو كان أى منهم المعنى بالامر لكان كلامى نفسه "
تنهدت سالى بقوة قبل أن تردف : " و ماذا ترى ؟! "
شد وفيه على قبضته هاتفاً : " سأمنعه من الذهاب بالقوة ! "
استندت برأسها على كف يدها ، هاتفة : " و إن كان قد ذهب و انتهى الأمر ؟! "

" إذن سأضطر بوقتها لإعادة ريلينا لواقع كون من تنتظره شخص حقير !! "
طرفت سالى بعينيها على عبارته ، لتهتف : " أخشى أن عواقب فعلتك ستكون أكبر مما تتخيل "
بادلها نظرة صارمة قبل أن يهتف : " صدقينى يا سالى ، عواقبها أخف وطأة مما ينتظر ريلينا ! "

تنهدت بشئ من القلق و هى تعود بأنظارها نحو المكتب ، هاتفة : " هل أنت واثق أنه ذهب ؟! "
أماء وفيه برأسه هاتفاً : " ربما لم نمضى أنا و هيرو الكثير من الوقت معاً ، و لكن ليس من الصعب أن أتنبأ بتحركاته ! "

أماءت سالى برأسها قبل أن تهتف : " أرى أن نتحقق أولاً من أمر ذهابه ، على الأقل نعلم إلى أين ذهب ! "
ضاق بؤبؤيه مردداً : " إلى أين ذهب ؟! "
هزت رأسها حيرة مرددة : " لست واثقة ، و لكن أشعر أنه فى طريقه لـ جى "
ضاق بؤبؤيه أكثر مردفاً : " دكتور جى؟! لماذا ؟!! "
أماءت برأسها هاتفة : " لا أعلم لماذا ، خاصة و أننى لم أعطيه تصريحاً بالمخاطرة و استلام أى مهمة !! "

أماء وفيه برأسه ببطء ، و كأنه يحاول استقراء ما يحدث لهذا الشخص ، الذى برغم كل شئ و رغم غضبه ، يبقى صديقه !
تنهد فى النهاية بقوة و هو يستدير جهة باب المكتب ، هاتفاً : " هذا لن يغير رأيى ! لايزال ذهابه واحداً !! "

" وفيه تمهل !! "
هتفت بها سالى و هو يمسك بمقبض الباب ، ليثبت لبرهة و هو يستدير برأسه نحوها ، راسماً ابتسامة هادئة عذبة ، هاتفاً : " أعتذر على رفع صوتى ، تعلمين أننى لم أقصد "
طرفت بعينيها قبل أن تبتسم بعذوبة ، مجيبة : " لا عليك ، تعلم أننى لا أغضب منك "
لم ينتظر أكثر و هو يتحرك خارج المكتب ، تاركاً سالى تتنهد بقوة ..

و حيرة ..
تحركت برجفة من الفراش ، و أنظارها تتبعثر بين حركاتها أملاً فى أن تجد بُغيتها ، ألقت بنظرة واحدة تائهة نحو النافذة و الأشعة المتخللة إياها ، قبل أن تبتلع ما يتكون من غصة بحلقها و تتجه نحو باب الغرفة باضطراب يخشى أن يُصرح ما به من هلع ..

بعثرت أنظارها مع خطواتها للمرة الألف ، لا تدرى بأى جهة تبحث ولا بأى اتجاه تسير ، سارت يمنة قبل أن تهجر الجهة و تستدير نحو الدرج ، لتتحرك قدماها أسفل الدرجات بخطى متبعثرة ، و تستقر بعد طابق واحد ، تحديداً قبل غرفة ديو بخطوات ..

استعادت أنفاسها بسرعة و هى تحاول أن تبدو هادئة على قدر استطاعتها ، تاركة أذنيها تتسمعا لكل ما يصل إليهما من ضحكات خفيفة مصدرها الغرفة القريبة ..
حررت الهلع المستقر بصدرها و هى تتحرك ببطء جهة الغرفة ، لتنتوى طرق الباب قبل أن تلمحه نصف مفتوح ، طلت برأسها بتوجس ، متفحصة الجالسين؛ ديو على فراشه الأبيض ، و فراش ثانى قريب منه؛ تحتله هايلد بملامحها المُجهدة ،، و ربما لولا الهلع الذى يطغى على بصيرة المرتجفة خلف الباب ، للمحت عينا هايلد ببريقهما ، و ابتسامتها التى تشارك بها الملتفين حول الفراشين !

طرفت بعينيها مرة واحدة و هى تتأكد من ماهية الأشخاص الباقين؛ كاثرين ، تروا ، و كواتر !
شدت على قبضة يدها و هى تخشى الإقتراب أكثر من الباب حرصاً ألا يلمحها أحدهم ، فأمامها ما يشغلها فى مهمة بحثها عن المفقود !!

" صباح الخير ! "
انتفضت و هى تستدير جهة الصوت من خلفها ، لتضم يدها لصدرها محدقة بوفيه و قد علا التعجب ملامحه إثر وقفتها ، هاتفاً : " ما الأمر ؟! "
لاحقت عنف أنفاسها و سؤال تلقائى ينسل من بين شفتيها : " أين هيرو ؟! "

انقلبت ملامحه المتعجبة لأخرى غامضة صامتة ، و كأنه يفضل الصمت عن الإجابة ، لتتدفق الدماء بوجه المسكينة أمامه و هى تقترب منه خطوة ، منفعلة بعبارتها و هى تُعيد : " أين هو ؟!! "

أدار أنظاره عنها للحظة قبل أن يعود إليها بشئ من الغموض ذاته ، هاتفاً : " ماذا تتوقعين أنتِ منه ؟! "
احمر وجهها انفعالاً و هى تتابع مسيرة الواقع الذى تنكره : " هيرو لم يذهب .. لن يذهب هيرو هكذا !!! "

اقترب وفيه منها خطوة ، ليلمح الدمعات التى تجمعت أسرع مما توقع ، هاتفاً : " لا تنكرى ما تعرفيه ريلينا ، لا تحلقى بأحلامك لمجرد ظهوره لساعات قليلة !! "

ضمت يديها لصدرها و قلبها ينقبض مما لا تريد تصديقه ، ليتابع الشخص الأخر أمامها بحزم : " هيرو كان لابد ذاهب ، وأنتِ تعلمين هذا الأمر ريلينا ؛ لا تدعى ذهابه يسرق ما تبقى من أنفاس بصدرك .. هو لا يستحق ! "

تحرك خطوة بجانبها و ملامحها تفارق عالمنا ، ليحبس بداخله قلقاً و ألماً على حالها دون أن يتفوه به ، و يردف : " أنتِ حرة فى أن تنتظريه ، و لكن لابد أن تتيقنى من حقيقة عدم عودته .. هيرو ليس طائراً يمكن حبسه بقفص "
رفع أنظاره نحوها و حركتها قد شُلت ، متابعاً : " بل هو مقاتلة كاندام ، إن أبعدتِها عن ساحة المعركة ، ستصدأ و تتأكل !! "

انحدرت دمعتها و شهقة تقف بحلقها تمنعها من الصراخ ، لتعاندها و تصرخ ببحة صوتها : " اصــمــت !!! "

تفاجأ من ردها ، ليحرر نفساً عنيفاً و هو يتحرك خطوة باتجاه الغرفة القريبة ، مردداً : " كما تريدين ، و لكن إن أردتِ رأيى ، أمامك غرفة ديو و هايلد ، على الأقل هما لن يخذلاكِ أبداً "
أمسك بمقبض باب الغرفة متماً : " و لا نحن ريلينا .. قد لا نكون بأهمية هيرو عندك ، و لكننا لن نخذلك على الأقل ! "

تحرك خطوته الأخيرة ليدلف للغرفة ، تاركها على وضعيتها المشتتة الضائعة التائهة ، المنكسرة .. الشبه ميتة !!

« • »


أخرجها من شرودها رنين خافت ، لتستدير عن الأوراق المتبعثرة على مكتبها و كأنها تعود لعالمنا بعد مراحل عدة من الجُهد ، تنهيدة قوية تفر من صدرها و هى تتحرك بتثاقل ، تلف بكرسيها جهة الجهاز القريب ، لتتناول بلا مبالاة ورقة الفاكس الواصلة لتوها ، و عينيها تعكسا توابع شرودها الطويل ..

تحررت منها تنهيدة مماثلة و هى تعود تواجه مكتبها و الورقة تستقر بين أصابعها ، دون أن يبدو أنها منتوية قرائتها حتى ..

عادت تتذكر عبارة وفيه ؛
" كونه يختار طريق الموت بكل مرة لا شأن لى به ، فليذهب للجحيم إن أراد ، و لكن أن يختار الطريق لهما سوياً هذا ما لن أقبله !! "

تنهدت للمرة المآئة مرددة : " أى طريق تراك اخترت هذه المرة يا هيرو !! "
عادت بانظارها المستسلمة نحو ورقة الفاكس بيدها ، لتمرر عينيها على أول كلمات منها ببطء ، ثم تزداد سرعة قرائتها نسبياً ، حتى تتوسع عينيها و هى تلم بأطراف الكلمات ، و تربطهم معاً برأسها ..
عادت تقرأ العبارة المكتوبة فى الورقة من جديد ، مرة ثانية و ثالثة ، تحاول التيقن مما فهمته ، قبل أن تنطلق منها بسرعة عبارة واحدة ، قائلة ؛ " وفييييه .. تمهل !! "

« • »


عاد يكرر قرائته للورقة التى تناولها من سالى ، فاغراً فاهه و هو يتهجأ : " و رغم أن هيرو قادر على متابعة مهامه بنفس مستواه المعتاد ، إلا أننى أخبرته بنتيجة مزيفة لاختبار العضلات الذى أجريته له منذ ساعات ، أخشى أن تحين نهايتهما قريباً إن تابعا الإثنين على هذا المنوال

ضمنت لها هيرو .. و بقى أن تضمنى أنتِ ريلينا "

عاد يحدق بتوقيع الدكتور جى للمرة الألف ، قبل أن يرفع أنظاره جهة سالى هاتفاً بذات دهشته : " هل أنتِ واثقة ؟!!!! "
ابتسمت سالى بهدوء و هى تستند على جدار الممر خارج غرفة ديو و هايلد ، متابعة ضحكات كاثرين التى تحث هايلد على استعادة شقاوتها ، تاركة إحساس بالراحة يغزو قلبها اطمئناناً على الثنائى المريض ، و المزعج رغم ذلك ، لتعود بانظارها نحو وفيه المندهش أمامها ، مرددة : " أخبرتك مراراً ألا تحاول مجاراة هيرو فى طريقة اختياره ! "
حدقت بعينيه السوداوان و هى تهتف بنبرة جادة واثقة : " خاصة عندما يتعلق الأمر بريلينا ! "

تنهد بقوة و هو يحك رأسه بيده ، مردفاً : " إذا كان الأمر هكذا ، فيجب علىّ أن اسرع ! "
تحرك خطوة أمامها ، لترفع يدها أمامه تمنعه من متابعة سيره ، هاتفة بجدية : " انتهى دورنا هنا يا وفيه ! "
رفع أنظاره نحوها مردداً : " و لكن !! "
ابتسمت بهدوء مرددة : " دورنا الأهم هما هاذان المجنونان "
مُشيرة بيدها جهة الغرفة القريبة و ضحكات ديو هى ما تتعالى هذه المرة ، ليتنهد وفيه بقوة مردداً : " أتظنى أن ريلينا ستكون بخير ؟! "
أماءت برأسها بهدوء و هى تتجه نحو الغرفة التى يتجمع فيها الجميع ، مرددة : " الإثنين سيكونا بخير "

تنهد بقوة و هو يرمقها بنظرة متفحصة على ثقتها ، قبل أن يستسلم لرغبتها و يتحرك ورائها جهة باب الغرفة ..

دون أن تتوقف عبارة عن الدوران بعقله : " أثق أنها ستكون بخير .. معك يا صديقى العنيد "
أمسك بمقبض الباب إثر دخول سالى ، ليهمس أخيراً : " و أثق أنك ستكون بخير .. معها "

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال