قصتنا التي لم تكتمل
قصتنا التي لم تكتمل《06》
بقلمي اسماء محمد
اليوم هو يوم الجمعة، ولا توجد محاضرات في الجامعة، استيقظتُ نشيطة وسعيدة، تغمرني فرحة لا تُوصف. صليتُ ثم ذهبتُ إلى المطبخ، فوجدتُ أمي – واسمها آسيا – قد أعدّت الشاي ومعه زلابية دافئة. حضر والدي، وجلسنا معًا نحتسي الشاي. كالمعتاد، رميساء ومعتز كانا غارقَين في النوم.
قالت لي أمي:
"رُنو، اليوم ستأتي أخواتك جميعًا بأطفالهن للمقيل معنا. لقد طال غيابهن عنا، لذلك دعوتُهن جميعًا دفعةً واحدة."
لم أكن سعيدة جدًا، فأول ما خطر في بالي أن الأطفال سيعبثون بالمنزل، وسنضطر لتنظيفه من جديد. قلت: "خيرًا يا أمي."
أردفت أمي:
"يا رُنو، أيقظي أخاك ليجلب لنا الخضار، وأيقظي رميساء لتساعدك في التنظيف."
قلت: "حسنًا يا أمي."
ذهب معتز لجلب الخضروات وكل ما نحتاج إليه، بينما بدأنا بتنظيف المنزل وترتيبه وتعطيره بالبخور.
رنّ جرس الباب، فتحتُه فإذا بها أختي سمية، ومعها طفلاها (محمد وبراق)، ثم جاءت صباح وولدها (يزن)، وتوالى وصول أخواتي: مديحة، وسارة، مع أطفالهن جميعًا. وبدأ اليوم الصاخب...
كان يومًا جميلًا وممتعًا، نزلنا جميعًا إلى المطبخ، تناولنا الطعام معًا، والتقطنا الصور، وحدثت بعض المشادات الطريفة، لكنني كنتُ مستمتعة كثيرًا برفقة أخواتي. نسيت أمر أحمد تمامًا، ولم أعد أتذكر أين وضعتُ هاتفي.
انتهى اليوم، وغادرت كل واحدة مع زوجها وأطفالها، وتركوا لنا مهمة التنظيف.
نظفنا البيت وأعدناه كما كان. جلستُ على الأرض من شدة التعب، وفجأة تذكرتُ أن أحمد سيأتي إلى كسلا للقائي. انتفضتُ فجأة، فقالت أمي:
"مالكِ يا بُنيتي؟"
قلت: "لا شيء يا ماما، فقط لا أجد هاتفي."
قالت: "خذي هاتفي واتصلي به."
اتصلتُ به، وسمعتُ رنين هاتفي في الغرفة، فذهبتُ ووجدتُه ملقى هناك، فتحته، فإذا به مليء بالرسائل والمكالمات من أحمد. في تلك اللحظة شعرتُ بدوار، ووقعتُ على ركبتي، وبدأتُ أبكي دون أن أعرف السبب. قلت في داخلي: "ربما أحمد غضب مني، وقد يتركني... ربما عاد الآن إلى بورتسودان."
وبينما أنا أبكي، رنّ هاتفي، كان أحمد.
قال: "ألو..."
فأجبته بصوت مختنق:
"يا أحمد، أنا أحبك... أرجوك لا تتركني، أحبك أكثر من أي شيء."
قال أحمد بصوته الحنون:
"رُنو، حبيبتي، لا تبكي، أنا أيضًا أحبك كثيرًا، لا يمكنني العيش بدونك. كفى بكاءً، أرجوك."
ولا زلتُ أبكي...
قصتنا التي لم تكتمل《07》
بقلمي اسماء محمد
♡♤ أحمد: قومي يا قلبي، لقد أذّن المغرب، اذهبي لتصلّي، وبعد الصلاة اتصلي بي، حسناً؟
ظلّ يُلاطفني ويتوسّل إليّ حتى هدأت، ثم قمت لأُصلي المغرب، واغتسلت، وجلست أفكر في مكالمتي مع أحمد. وبينما كنت أُراجع ما دار بيننا، أدركت أنني قد اعترفت له بحبّي دون أن أشعر، وكنت سعيدة وخجولة، أُمسك بهاتفي ولا أعرف كيف أبدأ المكالمة.
جمعت شجاعتي واتصلت...
أحمد: رنّو حبيبتي.
رنا: عيونه.
أحمد: لم أسمعك، ماذا قلتِ؟
رنا (في نفسي: شخص مستفز، أكيد سمعني، فقط يريد أن يحرجني): قلت عيونه.
ضحك أحمد ضحكة طويلة حتى ضقت بها وقلت له: مع السلامة.
أحمد: انتظري! ما هذه الـ"مع السلامة"؟! كنت فقط أريد أن أغيظك. لقد عذبتني وأرهقتني، ثمانية أشهر وأنا أترقب هذه اللحظة، وأخيرًا أحببتِني، الحمد لله. بعد ذلك نبدأ الترتيب للزواج.
قلت له بصوت خافت: تَمام... ثم قلت له: لا تضحك!
قال: حاضر.
رنا: حنيني...
أحمد: عيون القلب، شريان الوريد، حياة حنينك...
😅 أمسكت ضحكتي بالقوة.
قلت له: أشعر بالنعاس وأريد النوم.
أحمد: حسنًا، تصبحين على خير، يا عروستي.
أغلقت المكالمة ونمت. وفي صباح السبت، كان عليّ الذهاب إلى الجامعة.
صلّيت، وخرجت مرتدية عباءة بترولية اللون، وطرحة كُبدية، وحذاء وشنطة بلون العباءة، مع القليل من المكياج الخفيف. كانت نفسيتي في أفضل حالاتها، سعيدة لأقصى درجة.
وصلت الكلية، التقيت بـ"ريان"، وبدأت أحدثها عن أحمد، ثم جاءت "رشا"، وبدأن معًا بالسخرية مني، يُرمزن ويضحكن عليّ، ولكنني لم أُبالِ، لأن حب أحمد فوق كل شيء.
أحمد أصبح أوكسجيني.
انتهى اليوم الدراسي، وعدت إلى المنزل مرهقة. وجدت أمي وجارتنا "خالتي عفراء" تشربان القهوة، جلست معهما وشربت فنجانين. ثم دخلت غرفتي، وارتديت شيئًا خفيفًا واستلقيت.
وأثناء نومي، اتصل أحمد...
أحمد: قلبي؟
رنا: نعم؟
أحمد: ماذا بكِ، يا عسلي؟ من الذي أزعجكِ؟ ملامحك حزينة الليلة...
رنا: لا أحد أزعجني، فقط متعبة ونعسانة وأريد النوم.
شعرت أن نبرته تغيرت وكأن قلبه انكسر، ظل صامتًا للحظة...
أحمد: حسنًا، ارتاحي، أنا أحبك... واعتني بنفسك.
ثم أنهى المكالمة.
رنا (في نفسي): تغير صوته، هل يكون قد زعل مني؟ (أنا بغبائي تحدثت إليه ببرود وجفاف).
طار النوم من عيني، فأمسكت بهاتفي واتصلت به مجددًا...
رنا: ألو... حنيني؟
أحمد: أنا معكِ يا حبيبتي.
رنا: يا أحمد، أنا أحبك، وأتمنى أن أضمك. (في قلبي: أتمنى أن تعانقني عناقًا يُكسر فيه عظامي، ولن أعترض).
أحمد: وأنا أيضًا أريد أن أضمك، ولكن بالحلال.
رنا: حاضر... (كنت خجولة جدًا، تمنّيت لو تنشقّ الأرض وتبتلعني، عاتبت نفسي: "يا رنا، ما كان في داعي تقولي له إنك تريدين ضمّه").
أحمد: أعطيني والدتك، أريد التحدث معها، ألستِ قد تحدّثتِ مع والدتي؟ الآن جاء دوري.
رنا: تمام...
يمّه! أمي! أمي...
قصتنا التي لم تكتمل《08》
بقلمي اسماء محمد
قلت لأحمد: "أمي ليست بعيدة، سأعود إليك بعد لحظات."
ذهبت إليها، وحدثتها بكل ما جرى بيني وبين أحمد، لكنها غضبت مني.
قالت آسيا: "لماذا لم تخبريني؟ ألم تعتادي أن تروي لي كل شيء؟ ما بالك الآن؟"
فأجابت رنا: "أمي، لم تمضِ سوى ثمانية أشهر فقط."
قالت والدتي: "كنت ألاحظ أنك لم تعودي متفرغة كالسابق، لكنني آثرت أن أتركك حتى تأتي وتبوحي لي بنفسك."
رنا: "أنا آسفة يا أمي، هذا حقك عليّ." ثم قبلت رأسها واحتضنتها، وقلت لها: "أمي، أحمد يريد أن يتحدث معك بشأن زواجنا."
فردت والدتي بصدمة: "زواج؟! يا ابنتي، أنت لم تتجاوزي العشرين، وما زلت في الجامعة، وليس هناك زواج الآن. قومي من أمامي بسرعة، ولا تخبري والدك بما حدث. متى أصبحت فتاة كبيرة حتى تفكري بهذا؟"
كان كلامها قاسياً جداً... (أمعقول أن تكون هذه هي أمي؟ التي لطالما تمنت لي الخير؟ هذا ليس أسلوبها!)
عدت إلى غرفتي ودموعي تملأ عينيّ، وقلبي مكسور وموجوع، شعرت بأن الدنيا أظلمت من حولي.
أنا لست صغيرة يا ناس... أنا أريد أحمد...
اتصلت بإيلاف، رويت لها ما حدث، وبكيت حتى غفوت من شدة التعب.
استيقظت فوجدت الساعة الثانية ظهراً، وجدت مكالمة فائتة من أحمد. فتحت الإنترنت، وكان متصلاً، لكني لم أستطع الكتابة، لم أكن أرى جيداً.
أرسلت له رسالة صوتية، وأخبرته بما دار بيني وبين أمي.
فقال لي أحمد: "لا بأس يا حبيبتي، لا تسهري، نامي وسنحل الأمر معًا في الصباح."
قلت: "حاضر"، ثم عدت للنوم.
♤♧
استيقظت، صليت، وأخذت حمامًا، ثم اتصلت بي صديقتي مناسك:
"رنا، المحاضرة بعد عشر دقائق، أين أنتِ؟"
فقلت لها: "لن أحضر."
قالت: "ما بالكِ؟ اليوم سنسلّم الواجب، تعالي على الأقل وقدّمي الواجب ثم عودي."
أجبتها: "لا أستطيع"، وأغلقت الهاتف بوجهها (أعلم أن تصرفي لم يكن لطيفاً، لكنني كنت مرهقة ومنهارة).
ثم أرسلت لها رسالة: "أنا آسفة يا مناسك، سأتحدث معك لاحقاً."
بعدها اتصل بي أحمد وقال: "رنا، أريد رقم والدتك ووالدك."
فقلت له: "لماذا؟"
قال: "أرسلي لي الأرقام ولا تسألي."
فقلت: "حاضر"، وأرسلت له الأرقام، وجلست أترقب الفرج.
كنت أدعو الله باستمرار أن يكون أحمد من نصيبي...
لكن للقدر وجهة أخرى...
قصتنا التي لم تكتمل《09》
بقلمي اسماء محمد
أحمد حصل على الأرقام بطريقة لا أعلمها، ولا أدري ماذا قال لأمي وأبي، لكن إلى الآن لم يتوصلا إلى اتفاق.
أمي... يا رنا، تعالي.
ذهبتُ إلى الصالون، فوجدتُ أمي وأبي جالسين في انتظاري. جلستُ بجانب أمي وأنزلتُ عيني إلى الأرض.
أبي: يا رنا، هل تعرفين أحمد؟
(رنا صامتة ولم تنطق)
أبي: يا ابنتي، أجيبي... هل تعرفين أحمد؟
رنا (بخوف): نعم، أبي.
أبي: أحمد شاب من عائلة محترمة، وأخلاقه عالية، وهو رجل لا مانع لدي من أن تتزوجيه، لكن ليس الآن، فأنتِ ما زلتِ صغيرة، ولديك دراستك. قال إنه لن يمنعك من الدراسة، لكنني لضمان الأمر، قلت له: سأخطبها لك، فإذا وصلتِ إلى الفصل الدراسي السادس، نزوجكما.
رنا: أي عندما أبلغ الحادية والعشرين؟
أبي: نعم، يا ابنتي.
رنا: خيراً يا أبي.
قبّلتُ رأسه، وقلت له: "بارك الله فيك، أنت تاج فوق رؤوسنا". ثم صعدتُ إلى غرفتي لأتصل بأحمد. في طريقي، وجدت أختي في الممر، فحضنتُها دون أن أناقشها في شيء.
دخلتُ الغرفة، ورفعتُ الهاتف واتصلتُ بأحمد، وسألته: "كيف فعلتها؟"
طبعاً لم يخبرني، قال إن الأمر سر.
مرت الأيام سريعاً، وانتهت المهلة، وبلغتُ الحادية والعشرين. أحلامي حينها كانت: (هنيئاً لكِ، يا عروس أحمد... وأم أبناء أحمد... وفي حضن أحمد، حياة كاملة مع أحمد). لكن للأسف، كانت كلها قصوراً في الهواء...
كانت تلك أواخر أيام رمضان، وكان من المفترض أن يُعقد قراني على أحمد في العيد.
انتهى الشهر الفضيل، وجاء أول أيام العيد، وكانت الدنيا تعج بصوت التكبيرات.
ارتدينا ملابس العيد، وصلّينا في الجامع القريب منا.
أجواء العيد، ألعاب نارية، أطفال، بالونات، معايدات، عيديات، تهاني، وفرحة غامرة...
اتصل بي أحمد ليهنئني بالعيد، ثم اتصلت بصديقاتي وهنأتُهن كذلك.
♤♡ في ثالث أيام العيد، اتصلت خالتي سامية وقالت لأمي إنهم سيأتون في اليوم العاشر من العيد لعمل الخطوبة والعقد، وأن المناسبة لن تطول أكثر من شهر إن شاء الله، ونسأل الله أن يتمم على خير 🤲🏻
كنت في المطبخ أحضّر الشاي، نادتني أمي وأخبرتني بالخبر السعيد.
شعرتُ وكأنني أطير من شدة الفرح، عانقتُ أمي وبكيتُ حتى جفّت دموعي.
جاءت رميساء ووجدتنا نبكي، فجلست معنا تبكي دون أن تسأل عن السبب.
● اليوم هو خامس أيام العيد، تبقّى خمسة أيام على عقد القران.
اتصلتُ بصديقاتي، فزرنني في البيت لمساعدتي في التحضيرات وسماع اقتراحاتهن وآرائهن في المكياج والفستان...
فجأة، سمعتُ صراخ أمي بأعلى صوتها: "وبعلي وبعلي يا سارة يا بنتي!"
أُصِبنا بالذعر، وهرعنا إليها.
أمي أغمي عليها...
رأيتُ خط الهاتف مفتوحاً، رفعته وقلت: "ألو؟"
ردّ رجل، سألته: "من أنت؟ وماذا قلتَ لأمي؟ ما الذي حدث لأختي سارة؟"
فقال: "سارة تعرّضت لحادث، ونُقِلَت إلى المستشفى... لقد فارقت الحياة."
لااا! من أنت أساساً لتقول إن أختي ماتت؟!
لا... مستحيل!
أستغفر الله... (رجلاي لا تحملاني... ما هذا الكلام؟ من قال سارة؟ أستغفر الله العظيم)...
أختي سارة لديها طفلان توأم ورضيعة...
فتحتُ عيني ببطء، فوجدتُ البيت ممتلئاً بالناس، وأصوات مرتفعة وصراخ.
جاءت خالتي لطيفة وقالت لي: "تعالي شاهدي أختك قبل دفنها..."
قمتُ وأنا لا أستوعب، ورأيتها ممددة، بالكفن الأبيض...
استيقظت وفتحت عيني ببطء، فوجدت البيت ممتلئًا بالناس، وأصوات وضجيج يملأ المكان. جاءت خالتي لطيفة وقالت لي: "تعالي شاهدي أختك قبل أن يدفنوها..."
نهضت وأنا لا أستوعب ما يجري، رأيتها مسجّاة، رأيتها بالثوب الأبيض. (كنت أقول في قلبي: هناك مشهد ناقص، ربما هذا مجرد مزاح... لا، هذا مستحيل).
حتى حين عادوا من الدفن، لم أصدق ما حدث، وكانت حالة أمي لا توصف، وأخواتي وكل من يعرفها... كنا جميعًا نبكي ونحزن.
مرت الأيام، وكلها حزن وأسى.
جاءت خالتي سامية من بورتسودان، وقدّم أحمد تعازيه، ثم عادوا.
مرّ أربعون يومًا على وفاة سارة، فاجتمعت الأسرة كلها، وعائلة زوج سارة، عبد الله، ليقرروا مصير الأطفال...
