ليلى وجسر الأرواح

 الهمس في الليل


الفصل الأول: الهمس في الليل

كان القمر بدراً في سماء صافية لا غيمة تعكر صفو ليلها، والهواء بارد يحمل في طياته رائحة رطوبة غامضة. في قرية النيل الصغيرة، حيث المنازل الطينية تفترش الأرض كقطع مبعثرة من لوح فسيفساءٍ عتيق، لا يجرؤ أحد على الخروج بعد منتصف الليل. وكانت هناك أسطورةٌ طالما أثيرت حول منزلٍ مهجورٍ على طرف القرية، يقال إن فيه أرواحاً وجنياً مأخوذاً بأمرٍ من قوىٍ لا يستهان بها.

في ذلك المنزل، عاشت ليلى، فتاةٌ في السابعة عشرة من عمرها، انتقلت إليه قبل عام مع جدتها بعد وفاة والديها في حادثٍ مريب. كانت جدتها امرأةً غامضةً تمضي ساعات الليل الطويلة في قراءة طلاسمٍ قديمةٍ وترديد كلماتٍ لا يفهمها أحد. أما ليلى، فكانت تفضل النوم باكراً وعدم الاستماع إلى همسات الجيران.

في مساءٍ باردٍ، جلست ليلى في غرفتها المظلمة، تحتضن قطةً سوداء اسمها "زمرد". كانت زمرد ذات عيونٍ خضراء لامعة، تلمع في الظلمة كأنها فانوسٌ صغير. بيدٍ حانيةٍ، كانت ليلى تُمَدِّ يدها لتداعب فراء القطة، حين دوّى في أرجاء المنزل صوتٌ خافتٌ يشبه الهمس:

"ليلى... ليلى..."

تجمّدت دقات قلبها، فتحت عينيها على مصراعيهما، أمعنت النظر في الظلمة. كانت زمرد ترمش بحدة، ثم انطلقت تركض نحو الباب.

فتحته ليلى بخفة، فتحت أمامها ممرٌّ ضيقٌ يؤدي إلى قبو المنزل. فجأةً بدا الشجر الخارجي يهتز كأنما الرياح تصعُّدُ من الداخل. شعرت ليلى بأنفاسٍ باردةٍ تلفُّ عنقها، فأغلقت الباب وركضت إلى سريرها، لكنها لم تجد زمرد بجانبها.

خارج النافذة، سمعت صوت مواءٍ حزينٍ، يزداد وقعاً في قلبها حتى شعرت بثقله في صدغها. قررت أن تتجول باحثةً عن قطةٍ ضائعةٍ، لكنّ شيئاً في داخلها كان يحذرها من الخروج في هذه الساعة.

اتجهت إلى المدخل الرئيسي، حيث الأثاث مبعثرٌ وكأنه وقع من عصرٍ آخر. توقفت أمام درجٍٍ يؤدي إلى الطابق السفلي، ودموعها تنهمر. فتحت باب القبو المتهالك، ونزلت ببطءٍ، وحملت شمعةً تتوهج لهبها.

عندما وصلت إلى القبو، رأت ظلّاً أسود يتلوى بين الأرفف القديمة. اقتربت بخطواتٍ مرتعدة، فإذا بصوتٍ خفيٍ يهمس:

"تعالي... أنا هنا..."

ارتجفت، وحاولت الصراخ، لكن صوتها لم يخرج. وفجأةً... شعرت بشيءٍ يلمس ساقها، نظرت وإذا بزمرد، لكن عينيها لم تكن عينَي القطة المعتادة؛ كانت لهما وهجٌ أحمر.

"زمرد؟" همست ليلى.

رفعت القطة رأسها، وصُعقت لما رأت: فبدل الفراء الأسود كان يتلاشى كأنه دخانٌ، وفي مكانه تظهر يدٌ رقيقة تحمل فانوساً صغيراً.

خرج صوتٌ عميقٌ يعلو من الظلام:

"هي لكِ... أم لي؟"

امتلأ القبو بهواءٍ جامحٍ، ارتجفت ليلى وابتعدت خطوتين، لكن ظلّ القطة الراقصة خلفها.

الفصل الثاني: الظهور المفاجئ

في اليوم التالي، أيقظتها جدتها بنبرةٍ جافةٍ:

"لم تنامي كفايةً، يا ليلى. عليكِ بالذهاب إلى السوق لجلب الأعشاب."

أغمضت ليلى عينيها، وهي تشعر بآثار ذعرٍ لم تبرحه. في المطبخ، كانت زمرد جالسةً فوق طاولة الطعام بعيونٍ هادئةٍ، وكأن شيئاً لم يكن. نظرت ليلى إليها بشفقةٍ، ثم حملت سلةً مقشوشةً وخرجت.

سارت في الأزقة الضيقة، والناس يختبئون وراء الجدران وكأنهم يعلمون شيئاً لا تعرفه. وصلت إلى عربة العطار، وسألت ببساطةٍ:

"هل عندك دمعة العنقاء؟"

ارتعب العطار، ومد يده نحو صندوقٍ خشبيٍّ صغيرٍ.

عندما تناولته، سقطت منه قطعةٌ نحاسيةٌ عليها رمزٌ غريبٌ. لم يستطع العطار نطق كلمةٍ، وغادر مسرعاً.

عادت ليلى إلى البيت، وفي طريقها شعرت بأن رجلاً طويل القامة يلاحقها. نظرت خلفها فلم ترَ أحداً. مسحت عرقاً تراكم على جبهتها، وأسرعت.

دخلت البيت وأغلقت الباب بإحكام. رمت السلة على الطاولة، فانطلقت زمرد صوبها، وقفزت لتنظر إليها بترحيب. أخّرت ليلى تنهدةً، وخرجت من المطبخ حاملةً القطعة النحاسية.

وضعتها الجدة أمام كتابٍ ضخمٍ مفتوحٍ على صفحةٍ فيها كلماتٌ رقصت بريقها:

"عينُ الصقرِ في السماءِ تراقبُ،..."

قاطعتها ليلى:

"هذه القطعة، ما قصتها؟"

واصلت الجدة دون أن ترفع رأسها:

"هذه خاتمُ الجنّة الأولى، صنعت لتحتوي روح جنيٍّ قويٍّ أراد أن يقتل مَن حوله. قيل إنه مُنَحَ قدرةً على التنقل بين عالمنا وعالم الأرواح. كم دخلتُ في معاركٍ معه، وحاولتُ سردهُ من عالمنا، لكنه ما زال هنا، يئنّ في الظلام..."

انحنت ليلى لتلمس الخاتم بحذر. في تلك اللحظة، شعرت بآلامٍ تخترق جسدها. اختلّ توازنها وسقطت على الأرض، وضمّتها الجدة بعينين مغلقتين.

"احذري، يا ليلى... إنه صياد الأرواح، لا يكتفي بأسر الأرواح، بل يطمع في الإمساك بقلوب البشر. عندما يئنّ، تسمعين همسه..."

همست ليلى وهي ترتجف:

"سمعتهُ..."

في هذه اللحظة، رفعت زمرد حاجبها الأيسر، وكأنها تفهم أكثر مما قاله الكلام. تجولت بعينيها في أرجاء المطبخ، ثم وقفت جانباً تبحث عن شيءٍ.

الفصل الثالث: همساتٌ في الظلام

في تلك الليلة، لم تنم ليلى. جلست إلى جانب الشباك، تداعب زمرد بينما تنظر إلى القمر المتلألئ. فجأةً سمعت همساتٍ خافتةٍ تتسلل من جدران المنزل:

"الإناء...... الإناء..."

اقتربت الجدة وسألت بصوتٍ رخيمٍ:

"سمعتيه؟"

أومأت ليلى برأسها. مدّت لها يدها وقدمت إليها إناءً خزفياً صغيراً. قالت بترددٍ:

"هذا ما طلبه..."

لم تكمل حديثها، إذ اعتدل جسدها وانتفضت العينان الأحمرتان لزمرد. تقدمت القطة نحو الإناء، ثم ألقتها بأقدامها. تحطم الإناء، وانطلقت صرخاتٌ مرتفعةٌ.

خرج جِنٌّ أسطوانيّ الشكل إلى العالم من بقايا الخزف، كانت عيناه تتوهجان بنارٍ كونيةٍ، ورائحته تشبه الحريق المشتعل. نظر إلى ليلى والجدة، وقال بصوتٍ يزلزل الأرض:

"أخيرا... وجدت ما أبحث عنه..."

ارتجف المنزل كأنه قلب ضخم ينبض. أسرعت ليلى إلى الجدة، لكن الجني يمد يده صوبها. تلفّظ بصوتٍ باردٍ:

"القلب... قلب الطفلة..."

كادت الجدة تقاومه، لكن قوة الجني كانت ساحقةً. حاولت ليلى حماية جدتها، لكن يداً ضخمةً انتشبت في رأسها، ففقدت الوعي.

استفاقت ليلى في غرفةٍ ليست غرفتها، بأرضٍ من رمالٍ سوداء. كانت زمرد إلى جانبها، لكن عينيها عادتا إلى اللون الأخضر الزمردي. وقف الجني أمامها، وصوته يتردد في الفراغ:

"قلبها باقٍ... لكن قلبكِ... له مذاقٌ آخر..."

صاحت ليلى:

"لماذا؟"

ابتسم الجني ابتسامةً سوداء وقال:

"القوة... إنني أبحث عن روحٍ صافيةٍ، لا يعرفها الفساد، لأمنحها القدرة على العبور بين العالمين. روحكِ نقيةٌ..."

اندفع الجني نحوها، لكن زمرد قفزت على وجهه، وخدشته بقدميها الأماميتين. انبعثت صرخةٌ من الجني، وفجأةً اختفى في دوامةٍ من الدخان.

وقفت ليلى وهي تلتقط أنفاسها، ونظرت إلى القطة التي رفعت ذنبها في الهواء.

الفصل الرابع: معركة في عالم الظلال

وجدت ليلى نفسها في ممراتٍ ضيقةٍ، وجدرانه متكسرةٌ يختبئ فيها العشرات من الجنيات المظلمة. كانوا يلتحفون الظلال، ويراقبونها بعيونٍ باردةٍ.

"أين أنتِ ذاهبة؟" همس صوتٌ خفي.

التفتت لترى امرأةً ذات جمالٍ فائقٍ، لكن وجهها شاحبٌ وعينيها مغطيتان بأهدابٍ سوداء. حملت بيدها فانوساً من ذهبٍ متوهجٍ.

قالت المرأة:

"اسمي نسيبة... أنا جنيّةٌ حُررت من الخاتم القديم. أراقب ما يحدث منذ أمدٍ بعيد. إنكِ في عالمٍ لا يعرف الرحمة. إلا إن نجحتِ في الوصول إلى قلب العالم، فلربما تجدين فيه خلاصكِ..."

تقدمت ليلى حائرةً:

"وكيف أصل إلى هناك؟"

مدّت نسيبة يدها وأخرجت مفتاحاً منحوتاً من نورٍ براقٍ.

"هذا مفتاحُ البوابة. عليكِ العبور من بين أبوابٍ ثلاث. الباب الأول يقودك إلى الماضي، لتواجهي جراحكِ القديمة... الباب الثاني يقودك إلى الحاضر، لترى مصير من حولك... أما الباب الثالث، فهو باب المستقبل... لكن لا تدخليه إلا إذا كنتِ مستعدةً للتضحية..."

قبضت ليلى على المفتاح بجرأة، وتقدمت نحو ثلاثة أبوابٍ كانت تتلألأ أمامها.

اختارت الباب الأول، فعندما لمست مقبضه، انفتحت بوابةٌ ضوءها باردٌ. ودخلت... إذا هي في الحديقة التي رافقتها فيها والدتها، قبل الحادث. شمّت رائحة الزهور، فرأت والدتها تناديها:

"ليلى... العبي هنا، ولا تبتعدي كثيرًا..."

تقدمت الأم نحوها، فتحضنها. كان قلب ليلى ينهار من شدة الحنين. خرج صوت الجني يهمس:

"لا تنسي هدفك... قلب الطفلة لا يكفي..."

ترددت ليلى، لكنه دفعها بقوةٍ إلى الخارج، فانغلقت البوابة.

الفصل الخامس: قوس الدماء

رجعت ليلى إلى الممرات، حيث وقفت نسيبة تنتظرها. أشاحت نسيبة بيدها، فظهرت بقعةٌ دوّارةٌ تحمل زخاتٍ من الدم، تتشكل فيها بوابةٌ جديدة.

"الباب الثاني..." همست نسيبة.

عبرت ليلى الباب، فإذا هي في منزل عُدي وقُصي، يشاهدان التلفاز بفرحٍ مبعثث. كان قُصي يضحك، وعُدي يداعب كديسته آنا. شعرت ليلى بطمأنينةٍ، لكنها تذكرت التحذير.

فجأةً، تحولت وجوههم إلى وجوهٍ مشوهةٍ، تتحرك بعنفٍ بدوافعٍ شيطانية. هاجموها، لكنها صاحت:

"أنا ليلى، لستُ خائفةً!"

وزحفت نحو صندوقٍ خشبيٍ قديمٍ، فتحته، وأخرجت منه صورةٍ لعائلتها، فابتعد الأشباح عن الصورة.

ظهرت نسيبة بجانبها وقالت:

"هذه قوتكِ الحقيقية: الحب..."

اختفت الصورة، وفتحت بوابةٌ ثالثةٌ تحت أقدام ليلى.

الفصل السادس: الباب الأخير

وقفت ليلى أمام الباب الثالث، شعاعه مشعٌّ بألوانٍ لم ترها من قبل. نظرت إليه بتمعنٍ، ثم دخلت.

إذا بها في صحراءٍ واسعةٍ، والسماء ملبدةٌ بالغيوم الحمراء. في الأفق، ترى قصرَ جنياتٍ ضخمًا، يحيط به رمالٌ سوداء.

"هذا قلب العالم..." قال صوتٌ آتٍ من بعيد.

عند دخولها، وجدت الجني الأسطواني يجلس على عرشٍ متحركٍ من ظلال. أمامه ركامٌ من الهياكل العظمية. قربه يستلقي قلبٌ بشريٌ نابضٌ في إناءٍ زجاجيٍ.

أطلق الجني ضحكةً جنونيةً:

"أخيرا، سأحصل على الخلود!"

هربت ليلى نحو القلب، لكن جنيّاً عملاقاً وقف في وجهها. تقدمت زمرد وانقضّت عليه، بينما سقطت ليلى على ركبتيها، مسحت دموعها، وأمسكت بالقلب.

ثم هتف صوتٌ قويٌ من أعماقها:

"أنا لستُ ضحية! أنا من يقود مصيري!"

انفجرت طاقةٌ زهريةٌ، وتلألأت الأرض تحت قدميها. أضاءت القصر بنورٍ غامرٍ، وتحرر القصر من ظلاله. اهتز عرش الجني، فوقع، وحين حاول الفرار، قبضت ليلى عليه وأدخلته الإناء ذاته الذي وُضِع فيه قلب الطفلة.

تهشّم الإناء، وانبعث منه صوتٌ هادئٌ يقول:

"الآن... حررتني يا ليلى... تثبت قدرتكِ على التصالح مع الماضي والحاضر والمستقبل..."

الفصل السابع: العودة إلى الحياة

أغمضت ليلى عينيها، فوجدت نفسها في فراشها، ويد الجدة تمسك بيدها. جلست، ونظرت إلى الحجرة؛ كانت جدتها تبتسم، وزمرد جالسةٌ على الوسادة.

"لقد نجحتِ يا ليلى..." قالت الجدة.

ابتسمت ليلى وقالت:

"أعدكِ... لن أخاف بعد الآن..."

خرجت إلى الفجر، حيث كان الندى يتلألأ على أوراق الزهر. أمسكت زمرد بين ذراعيها، وشعرت بأن الحياة بدأت تنبض في قلبها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال